كان سبب تعدد القراءات مع أن القرآن واحد، أن الله سبحانه تيسيرا منه على الأمة أنزله على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-بلسان قريش أولا، ثم أذن له أن يقرئ أمته بما يسلس على لسانها وتطوع به، مما تتكلم به على غير لسان قريش، في أحوال الهمز والتسهيل، والفتح والإمالة، والإدغام والإظهار، والترقيق والتفخيم، والتذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وغير ذلك مما يسوغ في العربية، ويدخل ضمن ما يعرف عند العلماء بالأحرف السبعة، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن الجزري الدمشقي (ت833هـ) في أرجوزته طيبة النشر في القراءات العشر في قوله في أولها:
وأصْلُ الاختلاف أن ربَّـنا أنزله بسـبعة مُـهَوِّنا
وهكذا كان كل قارئ يقرأ بما يطوع به لسانه في عهد النبوة ريثما اكتمل التنزيل، فلما أكمل الله لنبيه رسالته، وانتهى النسخ، واستقر الأمر، بدأ عليه الصلاة والسلام يعرض القرآن على الحفاظ من صحابته كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، إلى أن استقرت التلاوة على روايات محددة معينة ضبطها عنه هؤلاء الصحابة وقرأوا وأقرأوا بها في حياته وبعدها حسب العرضات التي حضروها.
ولما فتحت الأمصار خرج كثير من الصحابة إليها فاستقروا بها، وبقي بالمدينة الخلفاء الراشدون وجماعة من القراء، كأمهات المومنين وابيّ بن كعب وزيد بن ثابت، ونزل عدد منهم بمكة، ومنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن السائب، ونزل بالكوفة عبد الله بن مسعود، ونزل البصرة أنس بن مالك، ونزل بحمص مُعاذ بن جبل، وبدمشق أبو الدرداء.
وتلاقحت هذه الروايات فيما بينها، فكانت أساسا لقيام مدارس الأمصار، وظهور القراءات السبع بها، واشتهارها، والرحلة من الأقطار في طلبها، وكلها بالإسناد إلى هؤلاء الصحابة النازلين بها.