ولقد تأتى لي بعون الله تعالى بالاستقراء لكلام الشاطبي أبي إسحاق في المقاصد أن أقف في كلامه على ما يعتبر شهادة منه وبينة ساطعة على مشروعية القراءة الجماعية في الحزب وغيره، وسقوط الاعتراض عليها بكونها من البدع ومحدثات الأمور. فعندما تعرض -رحمه الله- في كتاب الموافقات لذكر البدع وأراد تحرير هذا المفهوم للبدعة حتى لا تلتبس بما يجد من المصالح العامة، ذكر "أن المسكوت عنه في الشريعة على وجهين: أحدهما أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يشرع له أمر زائد على ما فيه، فلا سبيل إلى مخالفته، فمن استلحقه صار مخالفا للسنة حسبما تبين في كتاب المقاصد.
والثاني: أن لا توجد مظنة العمل به ثم توجد، فيشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله، وهي "المصالح المرسلة" وهي من أصول الشريعة المبني عليها، إذ هي راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول، فلا يصح إدخال ذلك تحت جنس البدع" (الموافقات لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي: 59/3).
وهكذا وعملا بهذا المبدأ الأصولي في تقويم موقف الإمامين مالك والشاطبي من قراءة الجماعة مجتمعين وما نسب إليهما من الكراهة لها لأنها "لم تكن من عمل الناس" أو "من الأمر القديم" نضع اليد مع الإمام الشاطبي في موافقاته على هذا المعيار الذي ميز لنا فيه بين ما يحدث من المستجدات فيجب إدخاله تحت نوع "المصالح المرسلة" التي هي أصل من أصول الشريعة وتتناوله مبادئها. وعلى هذا فالقراءة الجماعية قد ثبتت عند الأمة مصلحتها، وتأكدت نجاعتها في التعليم والتحفيظ والتعاهد والمراجعة للمحفوظ والإعانة على الحفظ والتحصيل، حتى إن كثيرا من العامة ممن نعرفهم بالمواظبة على المساجد ولو مستمعين أو متابعين في المصاحف قد تمنكوا من حفظ القرآن الكريم أو أكثره بسبب حضور الحزب الراتب صباحا ومساء، وكفى بهذا وحده لو لم يكن معه غيره شاهدا على مطلوبية القراءة الجماعية ومشروعيتها التي لا يطعن فيها إلا جاهل أو متحامل أو جاحد للحق متبع لهواه وهوى فصيلته.
ولله در الإمام أبي شامة المقدسي من أئمة الشافعية إذ يقول في كتاب الباعث.