ملخص عن التقرير السنوي المرفوع إلى السدة العالية بالله، من وزيرالأوقاف والشئون الإسلامية، حول حصيلة أنشطة المجالس العلمية وعن الشأن الديني، يوم 11 ربيع الأول 1435 الموافق لـ13يناير2014.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحابته الأكرمين
مولاي أمير المؤمنين
ورثت جلالتكم عن السلاطين المتقدمين، ولا سيما عن أجدادكم المنعمين، سنة إحياء ذكرى مولد جدكم المصطفى، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فبالإضافة إلى ما جاء في أوصاف المؤرخين حول هذا الاحتفال، فإن عهدكم، يا مولاي، قد تميز بابتكارات تتمثل على الخصوص في جعل هذه الليلة مناسبة لتقديم تقرير عن تدبيرالشأن الديني، ومناسبة لتكريم الحفاظ والقراء والمجودين، وتشريف المفكرين المجتهدين، وتشجيع الخطاطين المبدعين.
يتناول هذا التقرير، يا مولاي، جانبين من تنفيذ توجيهاتكم، وهما جانب الخدمات وجانب التأطير، تجليان للأمانة العظمى المنوطة بكم كأمير للمؤمنين، أمانة حماية الملة والدين، حماية صيانة تدفع الفتنة وترعى الثوابت، وحماية تزكية تكون بمثابة تنمية بشرية ببعد روحي وأخلاقي.
ففي جانب الخدمات تندرج العناية بالقرآن الكريم، والمساجد، والحج، والتعليم الشرعي، وأما التأطير فالأهم فيه ما يتعمق يوما عن يوم من ترقية الفكر الديني بحسب المصالح والمقاصد في هذا العصر.
ولدعم الجانبين، ما فتئت جلالتكم توفر ما تتطلبه الهيكلة من ضوابط التقنين، وما يتطلبه التجهيز والتسيير من الوسائل على مستوى الميزانية.
-
وهكذا في مجال العناية بالقرآن الكريم،
تميزت هذه السنة بأمرين مهمين، أولهما إصدار الكتاب الذي عنوانه "حمل القرآن الكريم ونشره في المملكة المغربية"، ويتضمن حصيلة زاخرة يتبين من إحصائياتها أن نصف مليون من الرجال والنساء، من مختلف الأعمار، يترددون على آلاف أماكن تحفيظ القرآن الكريم؛
ثانيها انطلاق التكوين في معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، وهو معهد يقل نظيره، سواء من حيث مواصفات الطلبة أومواد التخصص.
-
أما في ميدان المساجد،
فقد أحدث ما لا يقل عن مائة مسجد جديد، واستمر، بوثيرة أعلى، تأهيل عدد آخر من المساجد وتجهيزها وترميم الأثري منها، بالرغم من أن الطلب يظل أكبر من حجم الوسائل المرصودة في هذا الميدان؛
-
وفي جانب التعليم العتيق،
تكرس الاندماج في هذه المنظومة، وتم بناء أوتوسيع ثمان وثلاثين مؤسسة، كما تحقق الرفع من مكافآت المستفيدين من هذا التعليم.
-
وفي ما يتعلق بالأئمة،
توالى تأهيل ستة وأربعين ألفا منهم ضمن برنامج ميثاق العلماء، وتخرج فوج جديد من الأئمة والمرشدات، وتزايدت خدمات مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين. وتميزت هذه السنة يا مولاي، بقرار جلالتكم تكوين خمسمائة من الأئمة الماليين، وبدأ بالفعل تكوين الفوج الأول منهم، وهو قرار ملكي خرج على العالم بمبادرة مدوية تدعو إليها حاجة نشر الدين الوسط في مناطق مهددة بالتطرف، بقدر ما يحين الدور الذي رعاه أجدادكم في علائق المغرب مع بلدان إفريقية الغربية التي ظلت وفية للروابط المشتركة، ومتطلعة لأنواع متجددة من هذه الرعاية.
-
أما في ما يتعلق بنشاط العلماء والعالمات،
فإن التقرير المفصل الذي سيقدم لجنابكم المنيف، يسجل آلاف العمليات والتدخلات التي قامت بها المجالس المحلية، وتتميز بوضوح الرؤية، وتخطيط الأهداف، وتصميم البرامج، وحسن التواصل، والتجاوب مع حاجات الناس، والانفتاح على المؤسسات ذات النشاط الموازي، وتصحيح المفاهيم، ورصد الظواهر السلبية قصد معالجتها، هذا بالإضافة إلى التزكيات العلمية للقيمين الدينيين، وتقديم الاستشارات الفقهية، وتنشيط الكراسي العلمية، والسهر على التكوين الأساسي والمستمر للأئمة. وتتميز أنشطة العالمات والمرشدات بأنواع من الرعاية الاجتماعية وتقديم الدعم المادي والنفسي والروحي للمعوزين والمرضى ونزلاء السجون .
مولاي أمير المؤمنين
إن المتتبعين للنموذج المغربي في التدبير الديني يدركون أن هذه المنجزات، سواء في الخدمات أو التأطير، تصدر سلسة عن نظام إمارة المؤمنين، ومن روحكم الممتلئة يقينا وعزما، ومن جهادكم في الإصلاح بالليل والنهار، فجاء نسق اشتغال هذا النظام منطقيا، يستمد هداه من الشرع ومن عمل أهل المغرب، وتترجمه خمسة ضوابط ينبغي أن يتكرر ذكرها حتى تتقرر في الأذهان وتطمئن بها القلوب، وهي:
- قيام إمارة المؤمنين بالكليات الشرعية التي هي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وتشمل إجمالا، بلغة العصر، كل ما ينفع الناس من أنواع العدل والإصلاح، يشهد الناس أنها تتحقق بعملكم اليومي وتوجيهكم السني وتحكيمكم السديد؛
- التزام العلماء، على أساس عقيدتهم المؤصلة شرعا، بمساندة الإمام الضامن لهذه الإصلاحات، وبأداء رسالتهم في التبليغ تحت إمرته؛
- تأهيل جلالتكم لمشيخة العلماء في إطار جماعة لها مواصفات المؤسسة، أعضاؤها من العدول، كما هو منصوص عليه في الحديث الشريف، أي ممن ليسوا لا من أهل الأهواء ولا من المفتتنين بصغار الاجتهادات؛
- إسناد تزكية الأئمة إلى العلماء، وبذلك تتحقق سلامة المساجد وحيادها، مصداقا لقوله تعالى "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا؛"
- اكتساب القوانين التي تصدر في المملكة شرعيتها بموجب المصلحة والمقاصد، مع استحالة تصادمها مع ما استنفد الاجتهاد فيه من نصوص الشريعة.
مولاي أمير المؤمنين
ينتصب صرح إمارة المؤمنين من خلال تدبير الشأن الديني على أساس هذه الضوابط، ملقيا بجذوره في الشرع، ومنسجما في نفس الوقت مع مقتضيات المنظور التعاقدي الحديث.
مولاي أمير المومنين
إن هذا النموذج يؤهل لمجتمع نموذجي يتشوف إليه الإسلام، مجتمع متنوع الآراء يقوم على اقتناعين اثنين: أولهما الإقرار بمكانة الدين القويم في الحياة، مع ما لذلك من تبعات، وثانيهما نمو تربية فكرية تنبذ كل أنواع الإكراه في الدين، كما هو حكم رب العالمين، مجتمع ينعم بقيم الدين الواسع، تكون المجادلة في سياقه بالتي هي أحسن، ضرورية بحسب ما ينتظر منها من الصلاح.
والسلام على المقام العالي بالله
الله يبارك في عمر سيدي