تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

عزيزة الهبري: آفة الكبر في مظاهرها الحديثة

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication

 aziza elhabri 5 eme causerie hassaniene annee 1437 2016

ألقت عزيزة الهبري، أستاذة القانون في جامعة ريتشموند سابقا، يوم السبت 26 رمضان 1437(02 يوليوز 2016) بين يدي جلالة الملك، الدرس الخامس من سلسلة الدروس الحسنية لعام 1437-2016،  تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع : "آفة الكبر في مظاهرها الحديثة"، انطلاقا من قول الله تعالى :" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين".وفيما يلي نص الدرس الذي ألقته الأستاذة عزيزة الهبري:

آفة الكِبْرِ في مظاهرها الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد

وعلى آله وصحابته الطيبين الأكرمين

 مولاي أمير المؤمنين،

أتشرف بدعوتكم الكريمة للمشاركة في المنبر الملوكي العلمي الروحاني، منبر الدروس الحسنية. فجزى الله عن الإسلام خيراً والدكم المنعمالذي أسسه، وأعظم لكم الأجر على الاستمرار في رعايته. أما شخصي المتواضع، فلست في الحقيقة ضيفاً في هذه المملكة الشريفة، لأنني وإن كنت أمريكيةً بجنسيتي ولبنانيةً بموطن عائلتي القريبة، فإن أجدادي، إلى القرن التاسع عشر، كانوا في الجهة الشرقية من المغرب، في مدينة أحفير، ثم هاجروا. ومما تربيت عليه في أسرتي هو أن المغربي، أينما هاجر في العالم ومهما طال به الزمن، يظل مغربياً في روحه ووجدانه، وفياً لثقافة بلده الأول، مفتخراً بتاريخه وحضارته.

مولاي أمير المؤمنين،

نود أن نبدي في بداية هذا الدرس، أربع ملاحظات نعتبرها مهمة وضرورية:

الملاحظة الأولى، أن الكبر في تجلياته الحديثة، وهو موضوع الدرس، هو إرادة العلو في الأرض. وهو ما كان منكراً ومرفوضا إلا لأنه يمنع صاحبه، الفرد أو الجماعة على الخصوص، من الاستماع لآيات الله وإتباعها، وهي آيات جاءت لتضع الإنسان في موقعه الصحيح في الأرض، بحيث يكون متواضعاً لله. والبعد السياسي للتواضع لله تعالى، على هذا الأساس، هو عدم الإفساد والحرص على أداء الحقوق؛

الملاحظة الثانية أن الناس عندما يسمعون مثل هذا المفهوم الأخلاقي، أي الكبر، لا يجدونه مما يدور على ألسنتهم في الحكم على الحياة في العصر الحاضر، بل يحسبونه أمراً متجاوَزاً من مفردات الدين، على حسب فهمهم الضيق، ويظنونه لا يؤثر في الحياة السياسية، ونحن المسلمين، عندما نقرأ القرآن الذي هو مصدر اهتدائنا، لا نحكم على أمور الحياة كلها، بما فيها السياسة، إلا بالمفاهيم القرآنية التي نعتبرها مفاهيم خالدة، وهكذا نجد مفهوم الاستكبار مذكورا عشرات المرات في القرآن الكريم، لا كخلق فردي فحسب، بل كخلق جماعي مؤثر في السياسة، سيما وأن المتضررين منه، بالدرجة الأولى، هم المستضعفون، أي عامة الناس المستبد بهم في نظام فرعون وغيره. وعليه، فعلينا اليوم أن ننظر إلى من في الأرض من المستكبرين الذين لاستكبارهم أثر على سياسة العالم في درجات مختلفة، وأساليب متعددة، ولهذا السبب أردنا أن نقول إن للكبر السياسي الحاضر حللا أو مظاهر جديدة.

الملاحظة الثالثة، وهي أن الاستماع إلى آيات الله التي تبعدنا عن الكبر، لا يكفي فيه القبول بالإيمان، بل ينبغي أن يصاحبه الذكر المستمر لمقتضيات علاقتنا بالله، وهذا الذكر هو ما نسميه بالشعور أو الوعي في لغة العصر، فعلى سبيل المثال، نسمع المؤذن خمس مرات كل يوم، وهو يردد من فوق الصوامع شعار "الله أكبر"، ونأخذه على أنه مجرد الإعلان عن وقت الصلاة، وقلما نفهم أننا مدعوون إلى أن نتعمق مضمونه وهي أن حقيقة "الله أكبر" تقتضي أن حقيقة الإنسان الذي كرمه الله واستخلفه وكلفه، تقترن بالمقتضيات السلوكية للتواضع، من عدم مشاركة الله في كبريائه، ولاسيما في مجال أداء حقوق الناس.

والملاحظة الرابعة، هي أن الانطلاق من الملاحظات السالفة يفرض علينا القيام بتشخيص لحال العالم اليوم من منطلق مفهوم الكبر، في بعده السياسي، لنجد كبر الأقوياء على الضعفاء وكبر الضعفاء على من هم أضعف منهم، الأمر الذي يفيدنا في تصحيح فهمنا لأنفسنا، وتصحيح فهمنا لغيرنا، لأن هنالك التباسا طاغيا في هذا الفهم، هو من أسباب أخطائنا وعدم استطاعة الخروج من كثير من المآزق التي سقطنا فيها.

 بعد هذه الملاحظات ننطلق في الدرس من قوله تعالى:

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

وسنورد العرض في ثلاثة محاور:

  • المحور الأول في خطر الكبر وأسباب النهي عنه وطرق إزالته؛
  • والمحور الثاني في مضار البعد الحضاري للكبر، وفوائد التواصل؛
  • أما المحور الثالث فسيركز على وضع المسلمين الحضاري في العالم المعلوماتي الجديد الذي قلب المعادلات التقليدية، ووضعنا أمام تحديات تتطلب فكرا ثاقبا مبنياً في آن واحد، على هَدْيِ التحذير القرآني من الكبر، وإرشاده بالتواصل، مع الحفاظ على قيم هذه الأمة.

المحور الأول: تواجه أمتنا اليوم تحدياتٌ كبرى، ومن السهلِ على أيّ منّا أن يعزو هذا الوضع لأسباب دوليّة أو سياسية خارجة عن إرادتنا، ولكنه قد آن الأوان كي نواجه الحقائقَ التي تساعدُ في خروجنا من مآزِقِنِا، وهذه الآيةُ الكريمة تهدينا إلى إحدى السُبُل الأساسيّة لفعل ذلك.   

عندما ننظر لأنفسنا نظرة نقدية جدية، نجد أن بعض الآفات الخُلُقية التي حذّرَنا منها القرآن قد تفشّت فينا وساهمت في تفكيك مجتمعاتنا، وتأخرها الحضاري وجعلنا عرضة لرياح عاتية تحاول أن تقتلعنا من جذورنا. وهذه الآفات هامة وكثيرة، وعلى رأسها آفة الكِبْر التي أتت بحُلَلٍ حديثة.

إن المبدأ الأساس في ديننا الحنيف هو التوحيد، فالله واحدٌ أحد، وهو مصدرُ كلَّ شيء في الكون، لا تعلو على مشيئته مشيئة. ومن القَصَص القرآني الغني بالعبر في مجال التوحيد، قصة إبليس عندما جمعه الله عز وجلّ مع الملائكة وأمرهم بالسجود لآدم. فسجدوا إلا إبليس، إذ أنّه أبى واستكبر وكان من الكافرين. وكما قال الإمام الرازي، فإن كلمة "أبى" تشير إلى الامتناع مع الاختيار، وهذا يعني أن إبليسَ امتنعَ عن طاعةِ اللهِ حُرّاً مُختاراً واستِكْباراً على آدمَ، وهذا ما استوجبَ دَمْغَهُ بالكُفْر. ويوضِّح لنا القرآن الكريم المَنطِقَ الذي أدّى بإبليس إلى الكُفْرِ عندما يوردُ تفسيرَ إبليس نفسِه لموقِفِهِ هذا في آية أخرى وهو (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)

إنَّ الله قد نفخ في آدم من روحه، ولكن إبليس تجاهل هذا الجانب الروحي لآدم، ووقف عند مقارنة الجوانب المادية، فجاء قياسُه خاطِئاً، وكانت نتيجة هذا القياس أيضا خاطئة.

ثم إنَّ إبليس اختلق نظرةً رتّبت العناصرَ التي خلق الله منها إبليس وآدم بشكل هرمي. فجعل عُنصُرَهُ، وهو النار، يعلو على عنصر آدم، وهو الطين، وهي نظرة لا ترتكز على أساس موضوعي، ولا تتعدى كونها مجردَ تعبير عن مشيئة إبليس بالتكبّر على آدم. وقد تشبّث إبليسُ بهذه النظرة الشخصية التي اختلقها، ففضّل عصيانَ الله على تركها.

أما آدمُ فعصيانهُ كان نتيجة نسيانِهِ وضِعفِ عزمِه، فتاب عليه ربُّهُ، لأن اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشركَ به ويَغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء. وأما إبليسُ فقد طلبَ من الله بعد أن حلّتِ اللعنةُ عليه أن يُمهِلَه إلى يوم الدين كي يَفتِنَ بني آدمَ بمَنطِقِه وأدواتِه.

وقد حذّرَ الإمامُ الغزالي المسلمينَ في كتابه "إحياءُ علومِ الدين" من عواقبِ هذا المنطقِ الإبليسي، لأن التكبّرَ على بني آدمَ يفضي إلى التكبُّرِ على أمر اللهِ عزَّ وجلَّ. وأعطى الإمام الغزالي أمثلةً عديدةً عن التكبر على بني آدمَ، ومنها على الخصوص الكِبرُ بالعلمِ والمالِ والقوةِ. وعلّقَ الغزالي على كل ذلك بقوله: "فمن تكبّر على عبد من عباد الله فقد نازع اللهَ في حقه".

هذا يعني أن كل واحد منا معرَّضُ بشكلٍ دائمٍ لوسوسةٍ إبليسيّةٍ متمرّدةٍ، تعميهِ عن شرِّ أعمالِهِ وتجعلُهُ يحيدُ عن بوصلةِ الإيمانِ ومكارمِ الأخلاقِ التي عدَّدَها القرآن. وقد جعل اللهُ كلَّ ذلك بقدره وقدرته ممكناً، حين أعطى ابنَ آدمَ حريةَ الفكرِ والقرارِ. ومن بني آدم من استعملَ هذه الحريةَ في خدمةِ الناسِ، ومنهم من طغى، وهكذا فالعلاقة بين الإنسان والله مبنية على استعمال الإنسان للحرية، وهي المعضلة الأخلاقية والسياسية الكبرى في كل العصور، وفي عصرنا على الخصوص، حيث وسائل الإنسان عظيمة في استعمال الحرية في الخير أو في الشر على السواء.

وبالرغم من تعدُّدِ أفخاخِ الشيطانِ، يبقى الكِبْرُ من أخطَرِها لأنه يقودُ إلى الشرك. ويذكرُ الإمامُ الغزالي أن النبيَّ الكريمَ صلى الله عليه وسلم شرحَ الكِبْرَ بآفتين فقال: "الكِبْرُ بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس". وفسرَ أن "غَمْطَ الناس" يعني ازدراءهم واحتقارَهم، وهم عِبَاد الله أمثاله أو خيرٌ منه، وهذه الآفة الأولى. أما الآفة الثانية فقال الإمام إن كل من رأى أنه خيرٌ من أخيه واحتقر أخاه وازدراه ونظر إليه بعين الاستصغارِ أو ردَّ الحقَّ وهو يعرفُهُ، فقد تكبَّر فيما بينه وبين الخَلْقِ، ومَن أنِفَ أن يخضعَ لله تعالى ويتواضعَ لله بطاعته واتِّباع رسُلِهِ فقد تكبَّر فيما بينه وبين اللهِ تعالى ورُسِلِه.

وفي أمتنا اليوم أنواع من الطغيان، وفيها بالخصوص الطغيان باسم الدين، عند من يدعون العلم به، فيزدري الإنسان أخاه ويحتقره، فكرا وجسدا، وهل هناك احتقار لإنسان أكثر من إزهاق روحه بغير حقٍّ، وقد كرمها الله تعالى؟ إذاً، فقد عدنا للجاهلية الأولى، ولكن فرسانها اليوم مسلَّحون بأحدث تقنيّات الموت والدمار. ومن يقوم بهذه الأعمال يكون قد تكبّر على عباد الله، فنازع الله في حقِّه.

إن العالَم الذي أعطاه الله لآدم واستخلفه فيه مخلوق بدقة وحسبان، وأنزل الله معه القرآن الكريم الذي هو، من ضمن أشياء عديدةٍ أخرى، خارطةُ طريقٍ لمن يريدُ أن يستعمل العلم ويفقهَ سُنّة الله في خلقه، وبوصلةٌ لمن يريدُ الوصولَ إلى برِّ الأمان. فقال سبحانه:

الشمس والقمر بحسبان ، والنجم والشجر يسجدان ، والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان

والطغيان في الميزان شرُّ كبيرٌ، لأنه بالعدلِ قامتِ السماواتُ والأرض. واليومَ نقفُ وقفةَ حقّ أمام الله وأمام أنفسُنا وأمام باقي الأمم، فلا نستطيع إلا الاعتراف بأن أواصر الوحدة والأخوة في أمتنا هي في خطر داهم، كما هي علاقاتنا بالعديد من الأمم والشعوب الأخرى.

أما في المجال الأممي، فقد خلطنا ما بين الحضارة والسياسة والحروب، ومن هذا الخلط جاء استعلاء بعضنا على حضارات بأكملها، دمغها بالكفر والفساد، ظانا أنه ليس فيها ما يصلح لأمته. وتراجع هذا البعض إلى أزمان وذكريات كانت فيها الحضارة الإسلامية هي السائدة. ونسي قوله تعالى:

 وتلك الأيام نداولها بين الناس 

فقد ضعفت العلوم، حتى الدينية منها، وتأخر ركب نهضتنا.

ولذا فقد وجب علينا المبادرةُ الجديةُ بالإصلاح وإعادة الأمورِ إلى نصابِها، ورد الميزانِ إلى عدلهِ، قبل فوات الأوان. وفي رأس هذا الإصلاحِ القضاءُ على آفة الكِبْر بالعودة إلى القرآن الكريم وتدبِّر آياته. أما الإصلاحُ في المجال الأممي فطريقهُ واضح، وذلك في ما أمرنا الله تعالى به من التعارف والاعتراف المتبادل في قوله تعالى:

وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا

والحكمةُ في هذه الآية أن اتباعها يُؤدي إلى عمران حضاري يعمُّ نفعهُ الجميع لأجيال عديدة، كما سيردُ في المحور الثاني لهذا الدرس.

فالواقع المغاير الذي حدث في الأيام الأولى للإسلام، كان من تجلياته الكبرى إقبال المسلمين على التعلم من الحضارات اليونانية والرومانية، على الرغم من الاختلافات الدينية بينهم والصراع العسكري المتكرر، وعلى هذا الأساس من الانفتاح أنتجوا حضارة إسلامية عالمية لم تَخبُ آثارها حتى اليوم. ومن المعروف أن أوروبا ومناطق أخرى كثيرة من العالم جنت فوائد كبيرة من الحضارة الإسلامية، كما يذكر المؤرخون، ولا سيما الغربيون منهم.

وإذا عرفنا أن عددا من الأبحاث قد تناولت الاستفادة الإيجابية التي جنتها أوروبا من حضارة الإسلام، لاسيما عن طريق الأندلس، الذي كان في وقت عزه الحضاري امتدادا للوجود السياسي والحضاري للمغرب، فإن البلد الذي يتقدم العالم الغربي في هذا العصر، وهو الولايات المتحدة، لم يلق تاريخ علاقاته الحضارية والسياسية مع البلاد الإسلامية والفكر الإسلامي، وخاصةً الدستوري والقانوني منه، القدر الكافي من الدراسة. وهذا ما سأتطرق إليه الآن في المحور الثاني من الدرس منطلقةً من أبحاثي الشخصية كأستاذة قانون أمريكية.

لقد تأثر المزاج الشعبي في أمريكا في القرن الثامن عشر بصور وأفكار المستشرقين المشوهّة عن الإسلام، فكان الإسلام، بالتالي مشبوهاً، وكان الشعور الشعبي تجاهه غير ودي. ولكن ذلك لم يمنع الآباء المؤسسين للولاياتِ المتحدةِ من المناقشةِ بجدية للسوابق الدستوريةِ الإسلاميةِ في مجمع المناقشات الدستورية. وهذه المناقشات هي التي أرست أسس دستور الولايات المتحدة المعمول به الى اليوم. وما كان بإمكانهم الوصول إلى هدفهم لولا تواضعهم الفكري أمام النتاج الحضاري لباقي الأمم.

وعلى الرغم من المزاج العام الذي كان سلبيا كما أشرنا، فإن بعض الآباء المؤسسين قاموا بجهود جادة لتثقيف أنفسهم والتعرف على الإسلام والحضارة الإسلامية. فعلى سبيل المثال، كانت مكتبة توماس جيفرسون، ثالث رئيس للولايات المتحدة، تحتوي على نسخة واحدة على الأقل من القرآن الكريم، وكانت غنية أيضا بكتب حول الحضارات القديمة، بما فيها الإسلامية. ويظهر أنه كان يؤمن بأهمية معرفته بهذه الحضارات لتطوير النموذج الأمريكي للحكم.

ولم يكن جيفرسون وحيداً في هذا النهج. فقد شاركه آباء مؤسسون آخرون في وجهة نظره هذه. فعلى سبيل المثال، قام ألكسندر هاملتون وجيمس ماديسون بتقييم هياكل الحكم الدستورية في الإمبراطورية العثمانية وبلاد فارس، وذلك في الوقت الذي كانوا يصوغون فيه النظام الفيدرالي في الولايات المتحدة.

أما توماس جيفرسون، فقد كان مختلفاً بعض الشيء عن البقية، إذ أن اهتمامه بالإسلام ظهر في وقت مبكر، حينما كان لا يزال طالبا في كلية وليام وماري. واستمر ذلك الاهتمام بالنمو في السنوات اللاحقة. وكان جيفرسون يملك نسخة مما كان يدعى ب"قرآن سيل"، وهو عمل من مجلدين للمؤلف البريطاني وليم سيل، ظهر سنة 1734 ميلادية، ويحتوي على تاريخ الحضارة الإسلامية وترجمة للقرآن.

وفي هذا العمل قّدم سيل وجهة نظر عن الإسلام ونبيهِ الكريم أكثر توازناً من الأعمال الأخرى التي ظهرت في تلك الحقبة. ومن المنطقي الافتراض بأن جيفرسون قرأ نسخة القرآن التي امتلكها وهو طالب. وقد حوى الجزء الأول من الكتاب عرض المؤلف عن النبي الكريم وتقييمه الخاص له وللإسلام. وفي مقدمة الكتاب، رد المؤلف سيل على الرأي الشائع بأن الإسلام انتشر بحد السيف فقال:

"أنا لا أحاول هنا التحقيق في الأسباب التي جعلت شريعة محمد تلقى استقبالاً لا مثيل له في العالم، فالذين يتصورون أنه تم نشره بالسيف وحده مخدوعون كثيراً، ولا عن الطرق التي سببت احتضانه من قبل أمم لم تشعر أبدا بقوة السلاح المحمدي..."

وقد أُعجِب سيل بشخصية النبي الكريم وقدم وصفاً جميلاً عنها وعن مكارم الأخلاق التي كان يتحلى بها.

وهناك أيضا نقطة بارزة في كلام سيل، تهمنا لما قد يكون لها من علاقة بفكر وكتابات جيفرسون. إذ أنه نقل عن النبي الكريم قوله بأنه أتى بشيراً ونذيراً، وأنه ليس لديه سلطة لإجبار أي شخص على اعتناق دين الإسلام. إن هذه الفكرة موجودة بالطبع في القرآن نفسه الذي كان عند جيفرسون نسخة منه، في الآية: لست عليهم بمصيطر والآية لا إكراه في الدين 

وقد أعرب جيفرسون عن وجهة نظر مماثلة في كتاباته حول حرية المعتقد حينما قال:

"يتميز الإكراه في الدين عن الإكراه في أي شيء آخر... فأنا لا يمكن أن تنقذني عبادة لا أومن بها أو دين أمقته".

وصاغ جيفرسون قانون الحرية الدينية في فرجينيا الذي كان السابقة القانونية لمادة الحرية الدينية في الدستور الأمريكي. ولا يمكننا هنا إلا أن نتوقف ونتساءل عما إذا كانت معرفة جيفرسون بالقرآن قد ألهمت موقفه الشهير حول الحرية الدينية.

خلقت آراء جيفرسون حول الأديان مشاكل كبيرةً له. فوصف بالإلحاد، واعتبره البعض كافراً وغير كفؤ لأعلى منصب في البلاد. ومما لا شك فيه أن هذه التجربة قوّت من عزم جيفرسون على حماية الحرية الدينية للجميع، فقال:"لا يجوز استبعاد لا الوثني ولا المحمدي ولا اليهودي من حقوق المواطنة في هذا البلد بسبب دينهم".

من الواضح أن جيفرسون كان رجلاً يؤمن بتعارف الحضارات والأديان، ويحترم الفوارق الدينية بين أبنائها عن طريق حماية حقوقهم المدنية كمواطنين.

وهناك مسألة أخرى بقيت لغزاً كبيراً في البنية الدستورية للولايات المتحدة، وهي مفهوم الفيدرالية. إذ أن هذا المفهوم الهام، والخاص بالنظام الأمريكي، كان غير عادي، لأنه لم يكن له سابقة معروفة. ولكن مقارنةً سريعةً مع الوثيقة التي وضعها رسول الله، والمعروفة بميثاق المدينة، تظهر لنا تشابهات فكرية وقانونية أساسية.

هنا، أود أن أسلط الضوء على بعض هذه التشابهات لتشجيع البحوث المستقبلية في هذا الشأن، ولدحض المواقف التي ترفض مفاهيم الديمقراطية الأميركية، ليس بممارساتها الحالية وإنما بفكرها الأصلي، رفضاً تاماً لأنها غير إسلامية، وتجهل حتى مفهوم البيعة كما شرحه علماء الإسلام كالماوردي وابن خلدون وغيرهما. إن هذا الموقف المتكبر والرافض للحضارات الأخرى، يغلق باب التعارف وفوائده مع أمم العالم، ويفتح أبواب الصدام على مصراعيه.  

إن ميثاق المدينة الذي أبرمه الرسول (ص) مع أهل المدينة بمختلف قبائلهم وطوائفهم، مَثَّلَ أقدم نموذج فيدرالي للحكم وضم كل القبائل المتقاتلة في مجتمع واحد متآخٍ. ولكن الميثاق حفظ، في نفس الوقت، لكل قبيلة دينها وعاداتها وعلاقاتها الداخلية. ويظهر البعد الفيدرالي للميثاق في أمور الدفاع المشترك عن الدولة، وفي إفشاء السلم، كما هو الحال في ديباجة الدستور الأمريكي الذي يشير إلى أمور الدفاع المشترك بين الولايات، والاستقرار الداخلي.

وبالرغم من أن التعصب الديني كان هو القاعدة قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، أكد ميثاق المدينة أن اليهود الذين كانوا طرفاً في الميثاق هم جزء من المجتمع، وأمة واحدة مع المسلمين من دون الناس، وأن "لكل منهم دينهم".

كذلك، فإن ميثاق المدينة يحتوي على مجموعة من الحقوق الدستورية، منصوص عليها أيضا في الدستور الأميركي، أو في تفرعات عنه أكدتها المحكمة العليا الأمريكية.

أما بعض الحقوق التي ورد ذكرها في التعديل الرابع للدستور الأمريكي، مثل "حق أبناء الشعب في أن يكونوا آمنين في أشخاصهم، ومنازلهم ومقتنياتهم"، فهي في الإسلام من كليات الدين.

فليس من المستغرب وجود تشابه كبير بين مفاهيم ميثاق المدينة الذي أبرم في القرن السابع، ومفاهيم الدستور الأمريكي الذي أُلِّف في القرن الثامن عشر. وهذا موضوع يحتاج الى دراسة أعمق للكشف عن أوجه تشابه إضافية وحقائق تاريخية هامة أخرى.

ثم إن تأثير مبادئ الشريعة الإسلامية قد لا يكون محصورا في الناحية الدستورية فقط. إذ أن أبحاث البروفسور جون مقدسي في أصول المدرسة القانونية المسماة بCommon Law، والتي تنتمي إليها بريطانيا، وبعدها الولايات المتحدة، ترجح أن عدة قوانين في هذه المدرسة تعود إلى أصول إسلامية. وقد كشفت أبحاثه أيضا عن تاريخ ملك مستنير ومتواضع فكرياً، حكم مملكة صقلية القديمة. وهذا الحاكم اسمه روجر الثاني. وكان في حاشيته الجغرافي المغربي الشريف الإدريسي السبتي الذي وضع خريطة الكرة الأرضية المعروفة. فقد أعجب روجر الثاني بالإسلام واحترم حضارته، فحفظ للمسلمين حقّهم في بلاده، ومنها حق حرية المعتقد.

ومن آراء الأستاذ مقدسي أن أصول بعض مبادئ العقود، ومبدأ المحاكمة أمام هيئة من المحلَّفين التي ظهرت في زمن الملك البريطاني هنري الثاني، وهو قريب روجر الثاني، غير معروفة، وليست قريبة من الفكر القانوني المدني أو الروماني أو الكنسي. ولكنها موجودة في الفكر القانوني الإسلامي على مذهب الإمام مالك، مثل مفهومي الاستحقاق واللفيف. ويضيف الأستاذ مقدسي إلى ذلك دراسة هامة تأخذ بعين الاعتبار العوامل الجغرافية والعائلية والسياسية التي سهّلت عملية انتقال الفكر الإسلامي القانوني من صقلية إلى انجلترا. وبعدها كان من السهل انتقالها مع الأفكار الأنجلوساكسونية الأخرى إلى الولايات المتحدة، حيث أصبحت جزءا من التعديلات الدستورية، ثم من أهم الحقوق الدستورية الأمريكية.

إن نقل هذه الأفكار الحضارية لم يكن ليحدث لو لم يعتمد روجر الثاني سياسة التواضع والانفتاح الفكري تجاه الحضارة الإسلامية، فكانت سياسته ودية تجاه المسلمين، وأعطاهم حريتهم الدينية. فعاشوا معهم في تسامح وسلام وازدهرت بذلك مملكته. وهنا تجدر بنا مقارنة هذا الوضع بوضع المسلمين في إسبانيا الذين طردوا منها في القرن السادس عشر، حيث رُفِض مبدأ التعارف والتآلف وحل مكانهما الكبر والحقد والاضطهاد. ومن الواضح أن الجميع خسروا في إسبانيا بسبب قصر النظر السياسي الذي أدى إلى طرد المسلمين واليهود، وكانت لذلك عواقب وخيمة حتى في شبه جزيرة إيبيريا.

وهكذا نرى واضحاً في التاريخ الضرر الناجم عن الفكر الإبليسي المتكبر، والفائدة الناتجة عن المنطق القرآني. إن هذا المنطق يتطلب منا التواضع أمام خلق الله، والإيمان بأن الله خلق شعوب المجتمع البشري من نفس واحدة، وجعل الاختلاف فيما بينها فرصةً للتعارف والمنفعة المتبادلة.

إن المفارقة العجيبة تكمن في كون بعض المتشددين من أبناء أمتنا يُعَادُون حضارات بأكملها بسبب قيم قد تكون هذه الحضارات أخذتها من مبادئ ديننا، ولاسيما ما يتعلق بالحرية، وبالمقابل نرى هذه الحضارات تستعلي علينا بهذه المبادئ وتتهمنا بجهلها وبأنها مما ينبغي أن يفرض علينا بالضغط والقوة.

مولاي أمير المؤمنين،

إن المسلمين اليوم على أعتاب نهضة جديدة قد نُسرّعها أو نُؤخرها بخياراتنا. وقد لا تكون بشائر هذه النهضة واضحة للعيان في ظل تصاعد العنف والدمار، ولكن الصحوة قد بدأت، فعرفنا الآن أن مشاكلنا ليست خارجية أو أجنبية فقط، إنها في عقر دارنا وعلينا الاختيار. فهل نعتنق مذهب التكبر والرفض لإنسانية الحضارات الأخرى؟ أم نعود إلى قيمنا القرآنية الإنسانية ونطبقها في حياتنا فنختار التعارف والتواضع الإستراتيجي، بدلاً من الكبر والازدراء الجاهل؟

هذا السؤال يأخذ بنا للمحور الثالث والأخير من هذا الدرس ويضع أمامنا إمكانيات حقيقية للإجابة عليه. إذ أن العالم اليوم يتخبط في ثنايا "الموجة الثالثة"، أو الثورة التكنولوجية الثالثة التي تَتَطور بسرعة خاطفة، فَتُغيّر حتى طرقنا العادية في التفكير ورؤية العالم والحصول على المعلومات.  

إن القرن الواحد والعشرين يختلف عن القرن الماضي أكثر مما اختلف المجتمع الصناعي عن المجتمع الزراعي. تغيراته أسرع، وإمكانياته أكبر، كما تبرهن لنا الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت مؤخرا دوراً هاماً في تقويض استقرار بعض المجتمعات والدول.

إن اليد الخفية لآدم سميث الرأسمالي، قد استبدلت بأياد خفية كثيرة تستطيع تحريك مجموعات كبيرة من الشباب في مختلف أصقاع العالم، دون أن تعرفها، لتقوم بأعمال هامة وخطيرة تغير مجرى التاريخ. وفي نفس الوقت، فتحت هذه الموجة أبواب المعالجة الطبية والعمل عن بعد. فكيف سنتعامل معها؟  

قبل أن نُدينها علينا أن نَفهمها ونَفهم قدراتها، إذ أنها قد عَمّت وتَغَلغلت في العالم بأسره بسرعة الضوء. إن الموجة الثالثة مبنية على العلم. وأبناؤها يفكرون ويعملون ويفهمون العالم بطرق غير طرقنا، مما يفتح فجوة بين أجيالنا لها نتائج عميقة.

لقد بدأ التحضير لهذا العصر الجديد في بلاد الغرب منذ الستينات،أما شبابنا فقد انتقل إليه دون أي تحضير أو تثقيف، أو أي دروع فكرية واقية تحميه من التلاعب في فكره ومصيره. فوقع في شراك إبليسية عديدة أضرّت بالجميع. وعلينا الآن أن نتدارك الأمر بالإسراع في التعارف مع هذه الحضارة الحديثة بحماس وجدية، لنفهم طبيعتها وقدراتها، ونوفر لشبابنا الوعي النقدي السليم للتعامل معها بشكل إيجابي.

إن الخوض في خضم الموجة الثالثة ضرورة مصيرية لنا، وغيابنا عن الساحة كقياديين في هذه الموجة، وحضورنا فقط كمستهلكين، يجعلنا نتخلف عن باقي الأمم في أحدث الثورات الحضارية. ولذا فمن الأفضل أن نأخذ زمام المبادرة بسرعة لتدعيمها في خدمة الإنسانية ورفاهيتها. وذلك عن طريق إستراتيجية مدروسة طويلة الأمد، فلا يزال لدينا قدرات فكرية كبيرة. وعلينا ألا ننسى أن أحد القادة الكبار لهذه الموجة، وهو ستيف جوبس، كان ابن رجل عربي مسلم.

إن الموجة الثالثة ليست عابرة، بل هي هنا لتبقى، وهي مبنية على التواصل والتشبيك، وهما صفتان محمودتان إن أُحسن استعمالهما. ولهذا فعلينا أن نستبق الأحداث ونؤكد أن التعارف الحضاري في هذا الوقت بالذات هو فرض علينا، كي لا نضيع فرصا مصيرية لازدهار أمتنا وحمايتها من الأخطار.

مولاي أمير المؤمنين،

إن ما عرف عن جلالتكم من الاهتمام بأمر الأمة الإسلامية، وما تقومون به من مبادرات لإصلاح شأنها وتقويم أمورها، يجعل حديثي في هذا المجلس عن هذا الموضوع الذي فيه شيء من الشكوى، حديثا جائزا ومقبولا.

أمد الله في عمركم، وأجرى مزيدا من الإصلاح على يدكم،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 والختم من مولانا أمير المؤمنين

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية