تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

محمد بن يحيى النينوي: اللاعنف مبدأ إسلامي أصيل

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication

exp darss elhassani 3

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، يومه الاثنين 10 رمضان الأبرك 1438 هـ موافق 05 يونيو 2017 م، بالقصر الملكي العامر بمدينة الرباط الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وقد ألقى الدرس بين يدي صاحب الجلالة أعزه الله الأستاذ محمد يحيى النينوي ، عميد كلية المدينة للدراسات الإسلامية والبحوث بجامعة جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، متناولا بالدرس والتحليل موضوع: "اللاعنف مبدأ إسلامي أصيل" انطلاقا من قول الله تعالى: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" وفيما يلي نص هذا الدرس الحسني الثالث :

نص الدرس الحسني الثالث الذي ألقاه الأستاذ محمد يحيى النينوي بين يدي أمير المؤمنين

الحمد لله كما ينبغي لجلاله وكماله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن أزواجه وذرياته وأصحابه، أما بعد:

مولاي أمير المؤمنين:

إن العنف ظاهرة مرضية تهدد المجتمعات الإنسانية، وتنشر الشرّ والدم والمعاناة والخراب، وتحارب سبب إرسال الأنبياء ومقصد رسالاتهم ألا وهو سعادة الإنسانية، وتقوض تطبيق مقاصد الشريعة الخمسة في حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل. أما العنف باسم الدين فهو حرب على الدين نفسه، وانتهاك لروح نصوصه، وفتنة للناس. ولذلك اعتنى الإسلام غاية الاعتناء بمبادئ اللاعنف واللا اكراه، لأن عنوان بعثته صلى الله عليه وسلم ومقصد رسالته العظيمة: قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين). وفي صحيح مسلم: " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً)". وأخرج أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليم وسلم قال: " إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا".

لأن نظام اللاعنف واللاإكراه إذا اختل، وزِعزِعت أركانُه واختُرِق سياجُه، فكم سيقع من الفتن العريضة والشرور المستطيرة؛ إذ لا ينتهي فقدان اللاعنف واللاإكراه إلا بسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وإثارة الفساد والفتن العمياء. وقد تضافَرت النصوص القطعية المحكمة على تكريم النفس البشرية وحرمة سفك دمها. بل إن الإسلام حرَّم كل فعلٍ يعبَثُ بالأمن والاطمئنان والاستقرار، وحذَّر من كل عملٍ يبُثُّ الخوف والرعبَ والاضطراب، تحقيقاً لفقه الأولويات والمآلات والاستطاعة والموازنات حرصِاً على أجلِّ النعم بعد الإيمان: القوت والأمان.

وقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني والقيم، وأسس للاعنف واللاإكراه وبث ذلك في كل جوانب سنّته الشريفة محارباً للعنف بكل أنواعه، وضارباً أروع الأمثلة وأسماها في مقارعة العنف باللاعنف مهما اشتد العنف وفَجَر وغَدَر. ولا يعني هذا أن الحرب لم تُفرض عليه صلى الله عليه وسلم أزماناً، وأن مجالات الخروج إلى السلم من دوامة العنف لم تغلق أياماً، إلا أنه صلى الله عليه وسلم–وفي ضوء أحكام المكان والزمان والظروف- جنح إلى السلم فور سنوح الفرصة لذلك، واختار الرحمة بلا تردد عند كل خيار، وقبّح الثأر وقارع فكره منذ بداية المحنة، ونهى عن العنف فكرة، وعملاً، وكلمة، وقابل السيئة بالحسنة، والظلم بالعدل، والإساءة بالإحسان، والثأر بالمغفرة، والحقد بالتسامح، والكراهية بالحب. بل إن من رحمته حتى بمن ناصبه العداء وأراد قتاله وقتله أنه نُصر بالرعب، لأنه صلى الله عليه وسلم منصور إن حورب ظاهر على من قاتله، فكان من رحمته بأعدائه أن ألقى الله في قلوبهم الرعب صوناً لأنفسهم، وحقناً دمائهم، وبسطاً لحياتهم.

في العقدين الأخيرين كثر الكلام على العنف والتطرف، وخصوصاً الديني منها، ونال الإسلام النصيب الأكبر من هذه الدعاية الظالمة، ووُضِعَ المسلمون جميعاً في قفص الاتهام، مع أنهم الضحية الأكبر للعنف والتطرف. والحقيقة أن المسلمين شأنَهم شأن غيرهم من أبناء آدم فيهم الصالح والطالح، كل حسب تربيته وتعليمه ورُقِيّهِ والتزامه بتعاليم دينه. أما الإسلام فهو بريء من دعاوى العنف التي تنهال عليه. ليس جديداً أن يُتهم الدين تهماً باطلة، فهذا شأن كل القوى التي تتعارض مصالحها مع الدين. أما الدين فلا مصلحة له ذاتية، إذ أنه ينهى جميع الناس عن الفحشاء والمنكر والبغي، ويأمر الجميع بالعدل والتسامح والحب. الدين يتبنى مصلحة الخلق جميعاً لا مصلحة فئة على حساب أخرى. الدين يعلم الناس الحرية بتمكينهم من الاختيار في حياتهم ليضعهم أمام المسؤولية. بل إن الله الذي خلق الخلق وأمدهم، ترك لهم الحرية للكفر به، وإن حثهم على الإيمان ودلهم عليه، وحذرهم من الكفر وتوعدهم عليه، فقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ولم يقطع عنهم عطاءه وإن كفروا به، فقال: (كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)

وقد ذهب كثير من المفكريين اللادينيين إلى بث فكرة أن الدين هو سبب الحروب والعنف والتطرف قديماً وحديثاً، وأنه لذلك مصدر تعاسة كل البشر. لكن الحقيقة أن الدين الذي أرسله الله على أنبياءه جاء لإسعاد البشرية لا لإتعاسها، وأما الأسباب الحقيقية للعنف والحروب في العالم فهي الجشع والحسد وحب الاستبداد، إلا أن هذه الأسباب تُكلل بلبوس ديني ليسهُل تسويقها بين الناس استلهاباً لمشاعرهم وتسهيلاً لتعبئتهم.

أما التعريف الأشمل للعنف فهو: التعسّف في استخدام القوة أو كل فكرة أو كلمة أو حركة تؤدي إلى إلحاق الأذى بالنفس أو غيرها من المخلوقات.

والعنف قديم قدم البشرية، قبل أن تكون أعراقاً وثقافات وأديان، فأول من بدء دوامة العنف وسفك الدم البشري هو قابيل ابن آدم أبو البشر جميعاً، فقتل أخاه حسداً وجهلاً واستكباراً.

اللاعنف واللاإكراه الذي دعا إليه الإسلام هو جهاد ضد الشر بكل أنواعه، وجهاد ضد الكراهية بأنواعها، وجهاد ضد العنف بكل أشكاله وألوانه، وجهاد ضد كل المظاهر السلبية في العلاقة بين الأفراد والجماعات والشعوب. فالعنف لا أحقية ولا مشروعية له إلا في الحد الأدنى ضمن إطار الدفع الذاتي عن النفس أمام عدو صائل قادر معاند مباشِر، وضمن إطار اللاعنف وضمانه. ولذلك فإن مدرسة اللاعنف التي جاء بها الإسلام تطالب ابتداء بتحقيق مبدأ "العين بالعين" كقانون رباني قائم على العدل بين الناس، إلا أنها تحث على تجاوزِه لمبدأ الإحسان والعفو.

للعنف أنواع ومظاهر كثيرة، وقد عنون الإسلام أهمها وخصّها بالكفاح وحذّر منها، وأولُها وأشدها فتكاً هو العنف بين أبناء الإنسانية عموماً، ومن ذلك العنف الأسري وهو مختص بالزوجة والأولاد، ثم العنف الإنساني ضد الحيوان، والعنف الإنساني ضد النبات والماء والبيئة.

أما العنف بين أبناء الإنسانية فقد أنهى ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). والتقوى هي المساهمة الإيجابية الحقيقية في تطوير النفس والمجتمع.

وينقسم العنف الإنساني ضد الإنسان إلى ثلاثة أقسام: عنف فكري، وعنف قولي، وعنف عملي.

العنف الفكري

وهو العنف المتشكل على مستوى فكرة، أو مجموع الأفكار السيئة الهدّامة التي تتبلور في ذهن الإنسان عن عمد ويرعاها حتى تكبر، وهذا أصل كل أنواع العنف. وقد حذّر الإسلام منه في آيات كثيرات، منها قوله تعالى عن المسجد الحرام: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)

وفعل الإرادة لا يُتعدى بالباء عادة ولكن ضُمِّن هنا معنى "يفكر أو ينوي" وهو أبلغ من الإرادة، فكأن في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العقاب الرباني عند الإرادة أو مجرد التفكير في ذلك وإن كان بغير عزم أو جزم.

وقد أبلغنا الله أننا محاسبون على الأفكار وإن لم تترجم إلى أقوال أو أفعال، فقال تعالى: (وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء). إلا أن رسوله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بسابق عفوه تعالى وكرمه أن: (من همّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة)، وهذا إثبات للحساب ثم المغفرة في الآخرة على الإفك الذي خلقه العباد من بنات أفكارهم في الدنيا إن لم يترجموه إلى قول أو عمل.

أما في الدنيا فإن الآثار الدنيوية للأفكار السيئة والإفك الذي يخلقه البعض في فكره مُدَمِّرة ولو لم تترجم عملياً، ويكفي في ذلك ما أورده الله تعالى في سورة القلم عن أصحاب البستان الذين بيّتوا النية بعد موت أبيهم أن يغيروا ما كان عليه من عطف على الفقراء، وأقسموا ألا يدخلن أرضهم بعد اليوم مسكين، فدمرها الله تدميراً، قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ).

وكذلك سورة الفيل، فإنها تحكي ما وقع لأصحاب الفيل من الهلاك لعزمهم وكيدهم على الظلم، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ). والقرآن لم يثبت لهم إلا الكيد فقط أي المكر والتخطيط والعزم، فإنهم لم يصلوا إلى ترجمة كيدهم وخططهم إلى حقيقة وواقع عملي مطلقاً.

ومن ذلك قوله تعالى: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).

والمكر هو التخطيط لأذى الآخرين، والتخطيط للأذى عنف فكري.

وقد جمع الله أنواع العنف الثلاثة في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ). فالظن السيئ عنف فكري، والغيبة عنف قولي، وتصوير أكل لحم الآخر ميتاً هو عنف عملي، وهذا ترتيب قرآني بديع.

وقد صح عنه صلى الله عليعه وسلم قوله: (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِه).

فقولهم: ما بال المقتول؟ سؤال عن تشخيص الجرم الذي دخل المقتول بسببه النار مع أنه لم يقتِل، فبيَّن النَّبي ﷺ بقوله: ( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) أي أن ذنبه الذي أدخله النار: هو عزمه ونيته وحرصه على قتل صاحبه. وهذا سر حديث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.  

العنف الفكري موجود عند الكثير من الجماعات الدينية، بغض النظر عن دينها أو مذهبها، وقد حذرنا القرآن من هذا بقوله تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا). والإشكال في ذلك عند الكثير من الجماعات التي تنتمي إلى الإسلام هو عدم إتباع معاني الدعوة الخالصة لله فيؤدي ذلك إلى الاستكبار الفكري باسم الدين وباسم الانتساب لجماعة معينة. والاستكبار يولد العنف الفكري. مع أن الدين أكبر من كل حزب وجماعة ومذهب مهما كان.والخلط السائد هو لضياع فقه الأولويات في العمل الدعوي الذي يجب أن يتمركز حول المحكمات القطعية، واستنهاض الأخلاقيّات الإسلامية وأساليب التربية وبناء المجتمع بدلاً من التركيز على المسائل الخلافية الغير قطعية والغير محكمة مع إهمال الأصول الجامعة التربوية والأخلاقية، والتقصير في مواجهة التحديات الفكرية والعملية على مستوى الأمة أو مع غير المسلمين أو مع اللادينيين، لأن هكذا مواجهة تحتاج إلى تأصيل راسخ، وإطلاع واسع، وعلم رصين، ومنطق قويم، وأخلاق محمدية نبيلة،وفكر عالمي راق، وتسامح عال، ورحمة عظيمة مضطردة في كمّها وكيفها، بينما إثارة الخلافات الداخلية بين المسلمين لا تحتاج إلى كثير إقناع، خصوصاً إذا حضر القالب والدعاية والوعظيات.

العنف القولي

حذّر الإسلام منه كما حذر من أصله الفكري، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ..وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون). والسخرية من الآخرين عنف قولي بغيض يولّد الكراهية والبغضاء بين الناس. ولذلك (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَباباً وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّاناً).

وأول من أطلق على الكلمة القاسية اصطلاح العنف على الإطلاق، هو النبي ﷺ، تقبيحاً وتحذيراً ونهياً، فقد صح أن رهطاً دخلوا عليه (فقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالَ: "وَعَلَيْكُمْ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ).

وفي لفظ صحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَا عَائِشَةُ: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ").

العنف العملي الإرهابي

حذر الإسلام من العنف العملي كما في قوله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).

وقد جمع القرآن التحذير من العنف الفكري والقولي والعملي في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ).

وعالج القرآن العنف بترسيخ أسس متتالية واضحة حازمة لمبدأ اللاعنف:

التأسيس القرآني الأول للاعنف وذلك بالتحذير من العنف بين البشر قبل خلق آدم عليه السلام:

وهو قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ).

وأظهر الأقوال أن الملائكة علمت أن الله تعالى مَكَّنَ بني آدم من الاختيار، سواء خيراً أم شراً.

وبغض النظر عن السبب، فإن مجرد إطلاق هذا العنوان وتخليده في القرآن الكريم يجعله مبدأ أساسياً ربانياً راسخاً في تحذير بني الإنسان من هذا التوجه العنفي على الأرض بدليل أن الله تعالى أقر قول الملائكة.

ثم لا ينبغي إغفال مناسبة ذكر هذا العنف وسفك الدماء تزامناً مع إطلاق مصطلح "الخليفة" لأول مرة. وكأن القرآن الكريم يُنبِأنا عن تنافس شديد وسباق محموم مرتبط بالخلافة والتطلع إلى المناصب والرياسة من غير أهلها سيقع بين البشر مؤدياً إلى العنف والفساد.

التأسيس القرآني الثاني للاعنف والتحذير من العنف وعواقبه وذلك بتبيين المقصد من خلق آدم عليه السلام ألا وهو البناء والتعمير لا الفساد والتدمير، والمساهمة الإيجابية البنّاءة لا السلبية الهدّامة:

وذلك في تحديده تعالى لمهمة الإنسان على الأرض، فقال: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)أي طلب منكم إعمارها لا تدميرها، والإعمار للأرض وما عليها لا يكون بالعنف وسفك الدماء.

ويتوضح ذلك جلياً أيضاً في قصة آدم وإبليس، كما في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

وفي القصة أمور منها:

  • قول إبليس: "أنا خير منه" يعتبر القدوة الأولى لكل أنواع العنصرية والتمييز بين مخلوقات الله. فإبليس هو الأب الروحي للعنصرية.
  • طبقاً لعِلم إبليس وفهمه وعنصريته فإن النار -التي خُلق منها- هي أفضل من الطين الأرضي -الذي خُلق منه آدم-، مع أنه لم يُبرز الدليل على فهمه هذا. فكلا الشيئين مخلوق لله. ثم إن هذه الإجابة إلتواء إبليسي، لأن الله لم يسأله عن الأفضل منهما، ولم يسأله مم خلقا؟
  • قول إبليس: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" غرور بقوة أصله، لأنه خلق من نار، و النار قوة، وقوتها تدميرية عظيمة تحرق كل شيء. ولكن خفي عن إبليس أن الطين أيضاً قوة، لكنها ليست تدميرية، وإنما قوة تعميرية عظيمة، لا تحرق وتدمر كل شي، بل تبني وتعمّر كل شيء. وشتان بين قوة التدمير وقوة التعمير. ولذلك فكأنما أرسلت الآية الكريمة رسالة واضحة لكل أبناء آدم وذريته بأنكم آدميون، فكونوا على نهج أبيكم قوة في البناء والتعمير، لا على منهج الشيطان في الحرق والتدمير. ولذلك كان الشيطان عدو أبيكم الأول، فاتخذوه عدواً، في النهج لا في الشعارات فقط.
  • النار قوة حرق وموت، والطين فيه تراب وماء، والماء رمز للحياة والسلام.

التأسيس القرآني الثالث للاعنف والتحذير من العنف منذ بداية الحياة الأرضية والتكاثر الإنساني:

قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).

وفي الآية تأصيل عملي للاعنف من خلال أول حادثة عنف في التاريخ سجلها القرآن.

وفي الآية فرائد وفوائد، منها:

  • أن منطق وثقافة "لأقتلنك"ستبقى منتشرة بين أبناء الإنسان ولذلك خلّدها القرآن لأخذ العبر والدورس. وثقافة "لأقتلنك" هي ثقافة الانحطاط في القوة الفكرية والروحية مقرونة مع تضخم في القوة الجسدية. والعالم ما زال –للأسف- حبيس صراع "قوة المنطق" مع "منطق القوة".
  • بيّن الله لنا الرد العملي على ثقافة: "لأقتلنك"، ومفاده أن الرد على العنف لا يكون بالعنف، فقال المقتول راداً على تهديد أخيه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ) وفي الكلام حذف وتقدير، والتقدير: كأن المُهدد بالقتل قال: لم تريد قتلي؟ أو ماذا فعلت لأستحق الموت؟. وكأن الرد جاء: لأن قربانك صار مقبولاً بخلاف قرباني. وما لك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله والإخلاص في العمل في أسباب القبول.
  • في الآية صريحاً أن من يتق الله حقاً ويراقبه لا يهدد بالعنف وسفك الدماء فضلاً عن القيام به.
  • حكى الله لنا في الآية أن المقتول لم يدفع القتل ولا القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس حق ثابت لكل نفس،فقال لأخيه القاتل: (إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِين) وذلك لما أيقن أن أخاه يريد قتله، فذكر له هذا الكلام على سبيل الموعظة والنصيحة الواجبة نهياً عن العنف. وكأنه يقول: أنا لا أجوّز لنفسي أن أبدأك بالقتل والظلم والعدوان، ولا أفعله، لا لانعدام القدرة الجسدية ولكن خوفاً من الله ومراقبة له.
  • منطوق الآية يظهر حرمة النفس الإنسانية، ولو كانت ظالمة، بدليل قوله لأخيه: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ). ويَظهر من قوله لأخيه: (إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ) إيمانه بالحساب يوم القيامة وأن هناك عقوبة عظيمة على العنف وسفك الدم، فكأنه أوضح لأخيه القاتل أن نفسه التي بين جنبيه أهون عليه من غضب الله وعقابه يوم الحساب فيما لو كان هو الفاعل للعنف المنتهك لحرمة النفس الإنسانية ولو كانت ظالمة وخططت للقتل وأرادته وباشرت به.
  • بيّن الله لنا في الآية أن مجرد التهديد بالعنف والقتل لا يخرج ممن يخاف الله ويراقبه. فقوله: (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ) يفيد أن مجرد بسط اليد تهديداً وإن لم يقصد القتل انتهاءً،مذموم. وهذا مصداق ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم مجرد تهديد الآخرين بالعنف أو ترويعهم ولو بالكلمة في قوله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ).
  • يبيّن الله لنا في القرآن أن اللاعنف لا يعني السلبية التامة والاستسلام للقتل والظلم والطغيان، فالقرآن كله من أوله إلى آخره مقاومة للطغيان، لكن المقاومة القرآنية مقاومة إيجابية تسعى للإصلاح لا الإفساد تحت اسم الإصلاح، أو مقابلة العنف بعنف أعظم شراً وأكثر خطراً. فالتدمير ليس طريقاً للتعمير والموت ليس طريقاً للحياة المنوطة بالتكليف. المقاومة القرآنية في الحياة المؤقتة التي هي مناط التكليف، هي مقاومة تهدف إلى الإصلاح الديني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي دون سفك دم وعنف وفساد وتدمير.
  • قال تعالى على لسان الأخ المقتول: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ) أي لا يمكن أبداً أن ألجأ إلى العنف فأبسط يدي إليك لغرض قتلك، وإنما قصارى أمري أن أجتهد أقصى جهدي وأبسط يدي إليك لغرض دفع الأذى عن نفسي. وقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك دفعاً لقتل نفسه. إلا أن المثال القرآني هنا لم يدفع العنف عن نفسه بعنف مقابل. وهكذا جاء عن كثير من الصحابة، فهذا عثمان قتل شهيداً على القرآن ولم يدفع عن نفسه بالعنف، وهذا علي قتل شهيداً في صلاة الفجر وروى عنه البيهقي أنه قال عمن قتله غدراً: (أَطْعِمُوهُ وَاسْقُوهُ وَأَحْسِنُوا إِسَارَهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، أَعْفُ إِنْ شِئْتُ، وَإِنْ شِئْتُ اسْتَقَدْتُ). وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يوص أنه في أزمان الفتن خير أن يكون الإنسان عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل، فقد حسّن ابن حجر ما أخرجه ابن أبي شيبة أن النبي ﷺ قال: (سَتَكُونُ بَعْدِي فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، تَصْدُمُ الرَّجُلَ كَصَدْمِ جبَاهِ فُحُولِ الثِّيرَانِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُسْلِمًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُسْلِمًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا "، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: " ادْخُلُوا بُيُوتَكُمْ وَاخْمِلُوا ذِكْرَكُمْ"، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِنَا بَيْتَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " فَلْيُمْسِكْ بِيَدَيْهِ وَلْيَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا يَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِل) وشاهده في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم:)سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ(.
  • وفي الآية أيضاً أن سبب العنف هو الحسد أو الجشع أو الطموح الجامح بالأمانيّ بلا تحصيل أو كدّ.
  • في الآية إشارة إلى أن الجهاد في الإسلام لم يُشرع للعدوان على الآخرين والآمنين، ولم يشرع لرد العنف بعنف أكثر شراً ودموية. بل شُرع لحفظ وحماية نظام اللاعنف واللاإكراه والحريات الإنسانية عند الضرورة القصوى. أي شرع الجهاد لإعطاء الحق بالدفاع عن النفس ضد العنف المفروض. ويوضح ذلك أولَ آية نزلت في الجهاد، قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) فأثبت أنهم ابتدؤوا بالقتال والعنف، وأنهم ظُلموا، وأنهم أخرجوا من ديارهم، وأنهم لم يفعلوا شيئاً سوى إيمانهم بالله، عندئذ أذِن لهم بالدفاع عن النفس بالقوة، ومع ذلك أمر الإسلام بالجنوح للسلم فور سنوح الفرصة لذلك، فقال تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ).
  • الآية الكريمة ختمت بقوله لأخيه: (إني أخاف الله رب العالمين) وفيها إشارة مهمة، وهي أن هذه النفس التي خلقها الله لا يحق لك أن تسفك دمها فلست أنت ربها ولست أنت خالقها، واللهوحده هو رب العالمين بكل ألوانهم وأعراقهم واعتقاداتهم،وهو سبحانه القائل: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). وهذا نص في تأسيس مبدأ اللاإكراه، تماماً كمبدأ اللاعنف.

ثم تتابع الـتأسيس القرآني للاعنف واللاإكراه، وختم القرآن إرساءه للاعنف بالتذكير بأهم مقومات الحياة بعد الإيمان بالله، وهي السلم واللاعنف، لغفلة الكثيرين عن شكرها، فقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).

لقد جاء الإسلام برسالة نحو عالم أفضل وحياة أفضل، لكل الإنسانية، من آمن منهم ومن لم يؤمن، جاء لتأمين العدل وسبل تحصيل السعادة لكل الناس مهما كانوا، فأين نحن من هذا كله اليوم، وهل استطاعت الإنسانية تحقيق رسالة الإسلام في صنع عالم أفضل لكل الإنسانية؟ أم مازالت نار العنف الشيطاني تدمر ما يبنيه أبناء آدم؟ نعم، يدرك الإسلام أننا كبشر قد نكون مختلفين بأعراقنا ولغاتنا واعتقاداتنا وثقافاتنا، لكنه يذّكرنا دائماً بأن وحدتنا الإنسانية لا تقتضي التوافق الفكري الكامل، وفي نهاية المطاف فالإنسانية كلها من أصل واحد، ونفس واحدة، وأب واحد، وأم واحدة ولنا ربّ خالق واحد ونعيش على كوكب واحد، وآمالنا وآلامنا واحدة، وهكذا يريد الإسلام من ثقافة اللاعنف بين الإنسانية جمعاء التي جاء بها وحثّنا عليها وحذرنا من الابتعاد عنها أن تؤدي بنا إلى بناء حضارة الحب في الأرض لكل الناس، لا تأجيج صراع الحضارات بينهم. نعم، صنع حضارة الحب هو المطلوب، وهذا ما أمر به الإسلام، سواء نجح المسلمون في تحقيق ذلك أو فشلوا.وفق الله المسلمين وولاة أمورهم إلى كل خير.

والختم عند مولاي أمير المؤمنين

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية