
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبشراكة مع "منتدى السلام في المجتمع الإسلامي، تنظم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أيام الثلاثاء الأربعاء والخميس 25،24 و26 أكتوبر 2017، أشغال مؤتمر "قافلة السلام الأمريكية"، بمشاركة ممثلي الديانات السماوية الثلاث، للتأكيد على الدور المحوري الذي يضطلع به المغرب في نشر ثقافة السلام المتأسس على احترام التعددية؛ وقد ألقى السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق كلمة خلال حفل استقبال القافلة الأمريكية للسلام ؛ وفيما يلي نص كلمة السيد الوزير:
كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق خلال حفل استقبال القافلة الأمريكية للسلام يوم الثلاثاء، 24 أكتوبر2017
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الأكرمين
أيها الحضور الكرام، أتشرف بإلقاء كلمة الافتتاح لهذا اللقاء المبارك الذي أبى أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أعزه الله إلا أن يضفي سامي رعايته عليه تقديرا لمستواه الرفيع من حيث الفعاليات والشخصيات المشاركة، وتشجيعا لمتابعتكم البحث عن الأساليب الناجعة لتفعيل إعلان مراكش.
أيها الحضور الكرام،
قال الله تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾، (إبراهيم-آية 26)، هكذا عبر القرآن الكريم، يصدق ذلك على تصريح مراكش حول حقوق الأقليات في الإسلام، ذلك البناء النظري الأخلاقي الذي شارك فيه عدد من الشخصيات الحاضرة في هذا اللقاء، ولقد كانت الرسالة التي وجهها صاحب الجلالة إلى ذلك اللقاء وثيقة تاريخية، أتشرف بأن أقتبس منها الفقرة التالية:
"إننا في المملكة المغربية، لا نرى مبررا لهضم أي حق من حقوق الأقليات الدينية، ولا نقبل أن يقع ذلك باسم الإسلام ولا نرضاه لأحد من المسلمين، ونحن، في اقتناعنا هذا، إنما نستلهم الفهم الصحيح لمبادئ الدين، كما نستلهم تراثنا الحضاري وتاريخ هذه المملكة العريقة في التعامل النبيل بين المسلمين وبين غيرهم من أتباع الديانات". انتهى الاقتباس من الرسالة الملكية.
وها نحن نلتقي على أساس ذلك البناء الأول لنرحب بكم جميعا، ونجزي إليكم التحية الحارة، ونكبر جهود منتدى تعزيز السلم في العالم برئاسة الأستاذ الشيخ عبد الله بن بية الذي نشترك معه في الفكرة حول الاقتناع والالتزام بجدوى عمل القادة الدينيين، ولاشك أن كل واحد منكم ومنكن أيها الحضور الكرام يعرف مسيرة المملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس لصيانة الثوابت الدينية، وتأطير حياة المتدينين بتفسير رحب يتجاوب مع مقاصد الدين، ولاسيما في بابي الحرية والعدل، واحترام الآخر، وأدنى درجات هذا الاحترام هو الكف عن جميع أنواع الأذى، هكذا تُرصي المملكة بناءها على ثوابتها وتلائم صيانة تلك الثوابت مع مسيرتها في الرقي بالأساليب والآليات الحديثة دون أي تفاوت مع هويتها الدينية والوطنية.
أيها الحضور الكرام،
يحتاج منا فهم الأصل الثابت للكلمة الطيبة في الأرض إلى فهم تجلي الله تعالى على الخلق في التاريخ، بعد توالي الوحي والرسالات التي بلغها رسله عليهم السلام، وبعد انقطاع الوحي، وهذا الفهم ضروري للملاءمة مع العصر، وهي مشكلة رأي عام ينبغي أن يتوجه إليه عملكم التوجيهي والتربوي، لأن مشاكل الإنسان بقدر ما تأتي من معطيات الواقع بقدر ما تنجم أيضا عن فهمه للواقع بجذوره التاريخية وتجلياته الحاضرة ومآلته المستقبلية.
إنكم وأنتم تعكفون على قضايا تعزيز السلم في علاقة مع عديد من القضايا على رأسها القضية التي تناولها إعلان مراكش، تواجهون تحديات، بوصفكم مؤتمنين دينيين من قبل جماعاتكم، ومن هذه التحديات توضيح مهمة رجل الدين الذي لا يملك إلا هذه الكلمة الطيبة المؤثرة، يقدمها على شكل نصيحة لله ولرسله وللمؤمنين وعامة الناس وأصحاب القرار منهم خاصة. إن رجل الدين شاهد موضوعي، وما أصعب التشخيص، ولكي يكون الشاهد موضوعيا ينبغي أن يملك حريته، وموضوع تأهيل الناس للحرية هو مشروع الأشخاص النموذجيين في الدين.
إن الأمر، بعبارة أخرى، يتعلق بتعزيز السلم في النفوس لكي تتحرر من الطغيان، ولا يخفى عليكم أن السياق له دور كبير في تيسير هذه المهمة أو تعسيرها، وأقصد بالسياق النظام العالمي في توجهاته الكبرى، وحتى لا يكون في عبارتي أدنى التباس فإن ما أقصد أن أقوله هو أن حكماء هذا العالم سيقومون بالتشخيص الصحيح لكل المشاكل إذا عرفوا أن أصل الداء هو التطرف بكل أشكاله وميادينه، وأن التفاهم من أجل التضامن هو سبيل حل المشاكل وصيانة إنسانية الإنسان.
ولا شك أن هذه الإنسانية هي إنسانية لها بداية ونهاية، خالق وغاية، وبالتالي فإن القضية الكبرى فيها هي استحضار معنى الحياة، في ارتباط بين هذه الحياة والحياة الأخرى، وأن هذا المعنى وهذا الارتباط هما معادلة الاعتدال، والسبب الوجيه لاجتماع أمثالكم للمناظرة، إن الشرخ الموجود في الإنسانية لا يتعلق بالتفاوت في الحقوق المتعلقة بالحياة فحسب، ولكنه يتعلق قبل كل شيء بالفرق بين الذين لا يهمهم سؤال المعنى وبين الذين تدور كل حياتهم على هذا المعنى، ولاشك أنه فرق شاسع لم يعد بالإمكان تجاهل تبعاته السلبية والحرمان من فوائده الإيجابية، ذلك أنه من حق بعض الناس أن يكونوا مؤمنين وأن يؤخذ حقهم هذا بعين الاعتبار على مستوى الجماعة، ومن حقهم تبعا لذلك أن يُستمع إليهم إذا حذروا من الاقتصار على الافتتان بالدنيا أو ادعوا أن إدخال بُعد الآخرة في الحسبان يمكن أن يسهم إسهاما كبيرا في إصلاح الدنيا، دون إكراه أحد في شيء أو التفريط في شيء مما يحرص عليه الذين لا يهمهم ذلك السؤال الكبير، سؤال الآخرة في علاقته بالدنيا.
أيها الحضور الكرام،
إن قضية البحث الدائم عن سبل السلام تستحق بالفعل من جميع الحكماء أن يمشوا قُدُما في قافلة سلام لا تعرف حدودا ولا هوادة. وفي الأخير، أجدد الترحيب بكم وأكرر شكري للشيخ عبد الله بن بية وأتمنى للقائكم كامل النجاح،
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.