1 ـ محاولة تقييم عام لإرث الفترة الكولونيالية
2 ـ تنافرات واضطرابات ومنجزات العقد الأول من فترة ما بعد الاستعمار
1 ـ محاولة تقييم عام لإرث الفترة الكولونيالية
لم تلغ معاهدة فاس مفعول إجراءات معاهدة مدريد الدولية الموقعة سنة 1880، وبشكل خاص مبدأ "البيعة الدائمة لرعايا السلطان" والذي تم استعادته سنة 1958 عبر قانون الجنسية الوطنية. كما أنها لم تبطل تلك المتعلقة بالميثاق العام للجزيرة الخضراء الموقع سنة 1906، وبالأخص الشروط المتعلقة بتمتع "القوى الأجنبية بالمساواة الإقتصادية" داخل المغرب في إطار ما كان يسمى بنظام "الباب المفتوح"، وهي شروط ظلت سارية المفعول إلى غاية 1956.
وباتفاق مع السلطان، فإن النظام الجديد قد أخذ على عاتقه القيام بمهمة الأعمال الموجهة لتطوير البلاد وضمان تنميتها الاقتصادية على أساس احترام هياكل المخزن التقليدية التي كانت موجودة في السابق وعلى رأسها السلطان، وكذا المؤسسات الدينية وخاصة الأحباس إضافة إلى احترام عادات وتقاليد الناس.
وتميزت الفترة التي خضع فيها المغرب للحماية بتفكيك أسس المجتمع المغربي وترسيخ نوع من الثنائية والإزدواجية، في إطار سياسة تسيير قطاعات عصرية بجانب الحفاظ على مثيلاتها التقليدية. هذا وبدأت المفارقات تسود المجتمع المغربي، مما أدى إلى التراجع عن المكتسبات التي حققت في السابق، فساد نوع من العوز الإجتماعي الناتج أساسا عن تراجع الصناعة التقليدية وبوار الحرف. وبتراكم آثار هذه الأوضاع وتعمقها، تغير النسيج الاقتصادي واضطرب النظام الإجتماعي التقليدي سواء في المدن أو البوادي فكان وقعه ثقيلا على الساكنة المغربية. فسكان البوادي الذين تعرضوا للضغط الضريبي بعد التطبيق الصارم لجباية الترتيب، كانوا أكبر الضحايا الذين اكتووا بنار هذه التحولات المتسارعة والقوية. وكانت الميزة الأساسية لذلك هي دخولهم في دوامة من الفقر المضاعف، بعد أن انتزعت منهم الإمكانيات التقليدية التي كانت سائدة في فترة ما قبل الحماية؛ والتي كانت تكفل التضامن بين الوحدات الاجتماعية السائدة؛ من قبيل الاعتماد على أراضي الجموع والتعاون المشترك على فلاحة الأرض عن طريق نظام التويزة أو نظام توزيع وإعادة توزيع أملاك الأحباس والزوايا على الناس أثناء سنوات الحاجة. ورغم أن هذه الإمكانيات قد استمرت في البقاء في بعض المناطق، فإنها أفرغت من محتواها إذ أصبحت متركزة في أيدي حفنة من الأعيان وأعوان موظفي الإقامة العامة من قواد وباشوات. ورغم أن المكتسبات التي حققت في هذه الفترة لم تستفد منها بشكل عميق سوى أقلية متميزة، فإن تطور الحماية بالمغرب قد ترك بصمة من الحداثة على مستوى البنيات التحتية وإجراء عمليات التنقيب عن المعادن واستغلالها الممنهج وتطوير القطاع الفلاحي الموجه نحو المنتوجات التسويقية، إضافة إلى إحداث المدارس والمستوصفات. وكيفما كانت طبيعة "المكتسبات" وقيمتها المحققة في ظل الحماية، فإنها أحدثت شرخا عميقا وسط المجتمع المغربي ولم تستجب لطموحات الأغلبية الساحقة من الساكنة والتي كانت تقدر سنة 1956 بحوالي 9 ملايين نسمة، 70% منهم كانوا يقطنون البوادي. هذا المعطى سيصبح منذ الانطلاقة عائقا كبيرا للمغرب المستقل، وبشكل خاص في ميادين التعليم والصحة والسكن. وكان على ساكنة البوادي والمدن أو تلك الموجودة على هوامش المدن أن تواجه سوء التغذية والسكن غير اللائق. ورغم تنظيم حملات التلقيح، فإنها لم تكن كافية لمنع انتشار الأمراض المعدية وخاصة داء السل ورمد العيون. إذ ظلت نسبة الوفيات جد مرتفعة، وخاصة في صفوف الأطفال. لقد ظل أمل الحياة بعيدا كل البعد عن تجاوز 47 سنة. وكانت الأمية تشمل سنة 1955 حوالي 90% من مجموع الساكنة المغربية.
من الناحية السياسية، كانت الإقامة العامة تمثل مركز القرار السياسي الفعلي. فبتجاوزها للتطبيق الفعلي لروح مبادئ معاهدة فاس وبمعاكستها لإحتجاجات الوطنيين الشبان، طبقت سلطات الحماية بشكل فعلي نظام الإدارة المباشرة. غير أنها أجبرت على تلطيف إجراءاتها تلك، وذلك بالحفاظ على وظائف بعض البنيات التقليدية للمخزن. وكان التباهي الذي تطمح إليه في هذا الإتجاه يسعى إلى الإيهام بأنها تحترم بشكل مطلق امتيازات السلطان ووزرائه.
إن النزعة الماضوية التي تبنتها الإقامة العامة في هذا الاتجاه قد أعاقت سيرورة التغيير الذي بدأ قبل 1912 بواسطة حيوية الدينامية الداخلية المتفاعلة مع العلاقات المتزايدة مع الشرق الأوسط وأوربا الغربية. ويجب التذكير في هذا الصدد بأن ضريبة الترتيب التي بدأ السلطان مولاي عبد العزيز في تطبيقها، ومشروع دستور 1908 المقدم للسلطان مولاي عبد الحفيظ من مغاربة شباب لا تعني سوى أن المفارقة قد عمت كل المجالات.
إن تطور نظام الحماية قد تميز بشكل خاص بتفعيل متزايد لدواليب الدولة سواء التقليدية منها أو الحديثة. وقد ظهرت بوادر حديثة سواء في المنطقة الخاضعة للحماية الفرنسية أو تلك التي كانت تدخل ضمن المنطقة الخليفية ذات السلطة الإسبانية على شكل حركات سياسية وأحزاب، إضافة إلى مظاهر ذات طابع حديث. تطور العقليات والسلوكات التي كانت تنسب أساسا إلى مساهمة حركة التدريس وتلقي المغاربة للفكرة التي يمكن أن تشكّلها المدرسة كوسيلة لتفعيل العامل الاجتماعي وانتشار القيم الجديدة وتأثير "النموذج" الذي رسخه الأوربيون الموجودون في المغرب عن نمط حياتهم، إضافة إلى تأثير النمط السائد في الشرق الأوسط (بشكل خاص في مصر عن طريق الأغاني والسينما والأدب المسايرة للتطور السياسي الحاصل في هذه المناطق ).
2 ـ صراعات واضطرابات ومنجزات العقد الأول من فترة ما بعد الاستعمار
وجد المغرب نفسه عقب استكمال استقلال البلاد في مواجهة التحديات الكبرى التي كانت تتمثل في تقوية دعائم مؤسسات الدولة وحدة النزاعات السياسية، سواء داخل الأحزاب أو خارجها، وفي بناء اقتصاد وطني وتحقيق الطموحات الإجتماعية العريضة المعبر عنها داخل النقابات و الأحزاب أو غيرهما.
وكانت القضية الكبرى المطروحة تتطلب من الدولة نوعا من الإجابة الملحة، ألا وهي تلك المتعلقة بالبوادي وما يستلزمها من إصلاح زراعي. فالاختلال الذي حصل أثناء الحماية؛ والناتج أساسا عن تركز حوالي مليون هكتار من الأراضي في يد المعمرين وبجانبها 1.800.000 هكتار أخرى محتكرة من طرف الإقطاعيين المغاربة المرتبطين بنظام الحماية (حوالي ¼ المساحة المزروعة). لذلك ترك حوالي 3.600.000 من سكان البوادي على وضعية الفلاحين بدون أراضي (خماسين، مشغلين في الفلاحة ومياومين). وبالنسبة للملاك الصغار الذين يمثلون حوالي ثلث ساكنة البوادي والذين كانوا يعيشون من القطع الأرضية، فإنهم لم يكونوا أحسن حالا ممن لا أرض لهم.
وفي مجال التعليم، اصطدمت أهداف تحقيق "المغربة والتعريب والتعميم" بعدة عقبات. ففي سنة 1955، لم تكن نسبة الأطفال الممدرسين تتجاوز 15% مقابل 4% سنة 1945. وكانت أعداد تلاميذ الإعداديات والثانويات في السنة نفسها تبلغ 5832 تلميذا مقابل 753 سنة 1945، مع وجود نسبة ضئيلة من الفتيات. أما عدد الطلبة فلا يتجاوز 300، كان جلهم مسجلا في فرنسا بسبب غياب المؤسسات الجامعية على أرض الوطن (باستثناء معهد الدراسات العليا المغربية الذي تم تأسيسه سنة 1920). ولم تقم الحماية طيلة أربعين سنة من تكوين سوى 1415 تلميذ حاصل على شهادة الباكالوريا موزعين على 640 مسلما مقابل 775 يهوديا.
أما على المستوى السياسي المحض، فإن التناقضات الداخلية لم تتأخر في الطفو على السطح. فقد اتخذت في عدة مناطق أشكال عنيفة كما هو الشأن لأحداث الريف وتمرد عامل تافيلالت عدي أوبيهي. وقد هددت كل هذه الهبّات الوحدة الترابية الوطنية.
لقد كانت الوضعية صعبة نتيجة تذبذب القوى ذات النزوع الهيمني وانشقاقات حزب الاستقلال الذي تأسس سنة 1943 وصراعات الأجنحة داخله، والتي انتهت سنة 1959 بتكوين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتنسيق مع أعضاء أصحاب "الاختيار الثوري"، وظهور حزب الحركة الشعبية وتهميش واضطهاد أعضاء حزب الشورى والاستقلال، الذي تأسس سنة 1946 والنشاط الذي دشنه الحزب الشيوعي المغربي المؤسس سنة 1943.
لم تكن حركة المعارضة التي ظهرت في صفوف قدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير بسبب الإحساس بخيبة الأمل قوية. فقد كان هؤلاء يؤيدون فكرة مواصلة النضال من أجل تحرير الجيوب المتبقية تحت الاحتلال وبتعاون مع الجزائريين، وكانوا يشجبون الاتجاه الذي اتخذه حزب الاستقلال في هذا المنحى. وقد شكلت عملية الاغتيال التي طالت بفاس سنة 1956 عباس مسعدي، أهم شخصية في صفوف جيش التحرير المغربي، إحدى المآسي التي تشخص الخلافات الكبرى والعميقة الموجودة بين الفرقاء المتصارعين آنذاك. وقد تم تأويل الحادث من عناصر جيش التحرير بأنه ناتج عن رغبة "السياسيين"في احتكار السلطة. ولم يكن هذا الأمر بعيدا عن التأثير في الاضطرابات التي عمت منطقة الريف فيما بعد.
إذا استثنينا الاضطرابات السياسية وعملية استقطاب المواقع السياسية، فإن المظاهر الأساسية لعقد 1955 ـ 1965، قد تمثلت في إدخال التعددية داخل الدستور وفي تدعيم صلاحيات الملك وبشكل عام تمتين مؤسسات الدولة.
هذا التدعيم لم يكن مقتصرا فقط على الميدان السياسي المحض. فقد امتد نحو المجال الاقتصادي والاجتماعي. ورغم اختيارها الليبرالي، فإن الدولة قد نحت في هذه الفترة منحى الاعتماد على وسائل متعددة للتدخل المباشر في الاقتصاد. إذ عمدت الدولة إلى تطوير استراتيجية تنموية تعتمد على محور الاكتفاء الذاتي الغذائي والبحث عن توازن بين الفلاحة، التي كانت تراهن على ضرورة تحقيق سقي مليون هكتار، وبين الصناعة. وقد كان حضور الدولة في مجال الإنتاج الفعال والمنتظم قويا، سواء على المستوى الفلاحي الذي اكتسى أولوية خاصة بعد الحصول على الأراضي المسترجعة من المعمرين أو على مستوى قطاعات المعادن والصناعة والتجارة الخارجية إلى جانب القطاع البنكي: إحداث الدرهم وإقامة بنك المغرب وصندوق الإيداع والتدبير ومؤسسات أخرى مثل البنك الشعبي والبنك المغربي للتجارة الخارجية ومكتب الصرف ولا سامير، وأونا، وكوسيمار، والخطوط الجوية الملكية الخ.
وفي المجال الإجتماعي، قامت الدولة بشكل منتظم بدعم صندوق التعويض والشركة العقارية المغربية، إضافة إلى المواد الأساسية كالخبز والسكر والشاي والزيت، كما أنها باشرت عملية تنمية السكن الاجتماعي. أما مشاريع التنمية الوطنية فكانت موجهة نحو الاستخدام المحدود والمقنن للعمال والتخفيف من حدة الخصاص المسجل في مجال البنيات التحتية (الطرق والمدارس ¦ الخ)
وفي إطار تعميم التعليم، فإنه تم منذ سنة 1959 إخضاع 38 % من الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين 7 و 14 سنة للتمدرس. وارتفعت النسبة سنة 1964 لتقترب من 45% (أي أن أكثر من 1.100.000 تلميذ كان يتابع التعليم الابتدائي). أما بالنسبة لأعداد تلاميذ التعليم الثانوي فقد وصل إلى حوالي 131.000 سنة 1964 ـ1965. ومر عدد الطلبة من 2.600 سنة 1962 إلى 3700 سنة 1964 ليصل إلى حوالي 10.000 سنة 1970.
أما على المستوى الديموغرافي العام وشكل الفئات الإثنية والدينية المكونة للساكنة المغربية، فإن أهم مظاهر العقد 1955 ـ 1965 تمثلت في الهجرة الجماعية للساكنة اليهودية، والتي انطلقت منذ سنة 1947 بشكل سري عبر الجزائر ومارسيليا، لتستمر بشكل أقوى بعد تأسيس دولة إسرائيل سنة 1948 وأثناء اندلاع حرب 1956 بين إسرائيل والدول العربية. وتصاعدت أكثر سنة 1967 أثناء حرب الأيام الستة، حيث تم إخلاء مناطق عن آخرها من الساكنة اليهودية. وهكذا مرت الساكنة اليهودية المغربية من 250.000 بعيد الحرب العالمية الثانية إلى 40.000 سنة 1962. وتغير على إثرها شكل المدن والقرى. إذ اختفت العديد من الأحياء اليهودية التي كانت تسمى بالملاحات أو سكنت من قبل الساكنة المسلمة. وكانت هذه الهجرات غير منفصلة عن الأحداث التي هزت الشرق الأوسط بعد تصاعد أنشطة الحركة الصهيونية، وأيضا عن النتائج التي خلفها الفقر والظروف المزرية التي كانت تعيشها الساكنة اليهودية بعد أن تضررت أنشطتها التجارية والحرفية نتيجة التحولات التي أدخلها نظام الحماية.
محمد كنبيب