وقد شهدت هذه المناطق حضارة معمارية ترتقي إلى العصور القديمة، ثم تمتد مسيرتها – متقطعة – عبر العصور الإسلامية.
ومن ملامح ذلك الأطلال العتيقة الباقية على جنبات الوادي، حيث تتناثر في منطقة لكتاوة وتمنوكالت ونواحي زاكورة وغيرها، وعن الآثار الرومانية – بالخصوص – يقول في طليعة الدعة(1):
«وآثار الروم بهذا الوادي كثيرة جدا، ومن أعظمها وأشهرها وأبقاها على ممر الأعصار مدينتهم التي بين جبلي زاكورة، فإن أسوارها وأبراجها باقية إلى هذا التاريخ، وهو سنة 1143 هـ ».
وبعد عصر هذا المصدر لا تزال – لحد الآن – بقايا من أطلال هذه المدينة مائلة فوق الربى القريبة من شرق مدينة زاكورة الحالية في اتجاه طريق تمكروت. وعن مدينة درعة الإسلامية يقول البكري(2):
«مدينة درعة يقال لها (تيومتين)، وهي قاعدة درعة، وهذه المدينة آهلة عامرة، بها جامع وأسواق جامعة، وهي في شرف من الأرض، والنهر منها بقبليها».
ويعلق مؤلف «طليعة الدعة(3)» على مدينة تيومتين الواردة في هذا النص ويقول: «لا أظنها – في عرفنا والله أعلم – إلا بلد تمتيح (4)، ويدل على ذلك آثار مدينة خالية بها في شرف من الأرض، لم يبق إلا أساس سورها وأبراجها وهما في نهاية من الكبر، ومقبرتين عظيمتين خارجها قد اندرستا تدلان على عمارة المدينة وكثرة الناس بها، وقد بنى في عصرنا هذا – في جانب منها – قصبة بعض أشراف سجلماسة، ونزلوها وملكوا بها البساتين الكثيرة».
وهذه القصبة الواردة آخر النص لا تزال عامرة حيت تقع على ميمنة الطريق الذاهبة من زاكورة في اتجاه تمكروت.
ومن الجدير بالملاحظة أن حديث البكري عن (تيومتين) وقع خلال القرن الهجري الخامس، والغالب أن هذه المدينة تراجعت بعد عصر البكري، حيث لم يرد اسمها عند الإدريسي(5) ولا عند مؤلف الاستبصار(6)، وهما – معا – من المائة الهجرية السادسة.
وقد صارت قاعدة درعة – في نفس المائة – تحمل اسم (حصن تازاكورت) حسب ابن القطان(7) أو (بلد تازاكورت) حسب ابن الزيات(8).
وسيختفي الإسمان – من بعد – من المصادر المتداولة، ليخلفهما – في القرن الهجري الثامن – اسم « تيديسي » حسب ابن خلدون(9)، ومن العروف أن «تيديسي» استمر يطلق على القرية المعروفة في تاكمادارت شرق مدينة زاكورة الحالية، وفي نفس الناحية التي تحتضن أطلال الآثار الرومانية التي سبق الإلماع لها. مع العلم بأن «تيديسي» هذه موطن السعديين قبل أن تتصير لهم الدولة(10).
ومع بزوغ عصر الشرفاء صار مركز ولاة المنطقة هي قصبة اغلان بمقربة من زاكورة، كما يبدو أن قصبة تمنوكالت كان لها شأن في نفس الفترة، وفق ما تشير له الأطلال الباقية في هذه القرية التي تقع بمزجيطة في مقاطعة أكدز.
وقصبة اغلان – بدورها – لا تزال تجاورها أطلال لا شك أنها من بقايا قصر الأمير العلوي : الشريف اسماً بن اسماعيل، والي درعة في بعض الدولة الإسماعيلية، وقد جاء في ترجمته(11) أنه أنشأ – بأغلان برسم سكناه – دارا شامخة البناء، واسعة الفناء، مزخرفة الجدران والأبواب، بألوان الأصبغة الجميلة وبديع النقوش على الجبس، فكأنها الروضة في أزهارها، والعروس في عطورها، يعلوها متنزه صاعد في الجو، بهي المنظر، مشرف على البسائط والآكام، وقد أثارت مباهج هذه الدار، إعجاب شاعر معاصر فقال فيها في مطلع قصيدة على لسان الدار:
عليّ بديع الحسن أشرق في داري
وأخجل من إشراقه يُوحَا والزهرا
ولـي منــزه كــالـمشتري في سعــوده
ومنظره الأسنـــى وطلعتــــه الغـــرا
لدي فسرح طــرف طــرفــك رائــدا
نسخـت بديعــا كـان في البلـدة الحمــرا
فلــم أبـق ذكــرا للقصــور بــأسرهــا
وفقت نسيــم النسر والــورد والشقــرا
وبعد هذه الأطلال الباقية في قصبتي أغلان وتمنوكالت، ننتقل إلى منطقة لكتاوة في مقاطعة تاكونيت، وكانت – هي الأخرى – تتوفر على مركز إداري خلال هذه الفترة، وبالضبط عند أواسط العصر السعدي، وستتأدى لنا هذه الحقيقة عن طريق نقد مغربي سكه القائم ابن أبي محلي في هذه المنطقة بالذات، وقد كتب عليه: «ضرب بلكتاوة حرسها الله، عام إحدى وعشرين وألف»(12).
وبعد هذا في عام 1040 هـ، سيزور درعة – في طريقه إلى الحج – رحالة من مدينة مراكش: محمد بن أحمد القيسي الشهير بالسراج، والمعروف بابن مليح، وقد دون عن هذه الوجهة الحجازية رحلة باسم: «أنس الساري والسارب ..(13)»، وفيها يسجل ارتساماته عن هذه الواحة، ويذكر ببعض معمارياتها وسكانها حسب الفقرة التالية:
«ثم نزلنا بلاد درعة، محل سكون ودعة، جعله الله محفوف الجناب، مأمونا من المخاوف في المال والرقاب، يا له من واد ما أحسنه، ومنزل خصب ما أطيبه، وسكانه رقاق القلوب، وغيوث الجدوب، محبون لمن ينتسب لعلام الغيوب، كرام السجايا، رحاب العطايا، ضاعف الله عليه نعماءه، ووالى عليه آلاءه.
فأول منزلة منه مزجطية بإزاء قصبة الشيخ محمد بن ناصر، فقام صانه الله بضيافة الركب، وأنزلهم منه منزلا رحب، فأقام لديه الركب يوما، فأكرمهم بأنعم عماً، ثم لتابرنوست حل الركب بها يوم سوقها، ثم لزاوية سيدي موسى، ثم لقصبة السلطان: تينزولين، ثم لتن اردن: زاوية المرابط الخير الدين البركة، الميمون السكون والحركة سيدي أحمد بن محمد، فتلقاهم بالبشر المبذول، وحمد الله على الإلمام به والنزول، وقدم من ضيافته ما جل، وأرضى به الكل، فيا له من سيد ارتدى من السيادة رداء جميلا، ومن فاضل ما أحسن شمائله جملة وتفصيلا، ثم لموضع يعرف باستور، على الوادي المذكور، ثم لموضع يعرف بتجمدارت، وقاه الله الآفات، ثم لزاوية المرابطين الأنجاد، أولي الفضل والرشاد ذرية السيد الصالح، القدوة الناصح، سيدي محمد بن إبراهيم التمجروتي(14)، فخيم الركب بفنائهم يومين، في كرامة وقرة عين، ثم لبني علي بإزاء زاوية المرابط القدوة، الشهير البركة والحرمة، سيدي عبد العالي(15)، صانه الله فأكرم مثواه، وأحسن مرعاه، فركب – صانه الله – بغلته، وشد حزامه وعصابته، مع نفر من أهل تامجروت، فسلكوا بالركب في وعر بين جبلين، يقال له خنك الكتاوة، حرصا عليه واتقاء أن يصيبه مكروه من طائفة من اللصوص تجتمع فيه غالبا إلى أن قطعوا الوعر، فحلوا ببني حيون بلكتاوة، فأقام هنالك الركب ثمانية أيام، في نعمة هنية، وعيشة مرضية، لانتظار رسول الملك، ثم لبني مسنان، فمن ثم تأهب الركب للمسير، وشدوا الأزر لقطع الصحاري وركوب البعير، وفيه يقال:
ولقد جرى يوم النوى دمعي دما
حتى لقال الصحب أنك فان
والله إن سمح الزمان بقربنا
لكففت من ذكر النوى وكفان
ثم لموضع يعرف بالمنكوب شعب كثير الآبار، ومحل إقامة وقرار، ذي مياه عذبة، ومراع خصبة، ثم منه لموضع بعل، لا ماء فيه ولا نخل، ثم لمورد يقال له زكد، غدير تحت عصف في أرض مرتفعة عذب ماؤه، حلو مذاقه، ثم بعده مرحلتين صحرا، وزيزار قفر، ثم مورد يقال له الحمير، ويعرف بالدورة، ينحدر إليه ماء وادي تافيلالت كثير الرعي والكلأ، ثم لبئر يعرف بأبي العظام بإزاء شعبة عمقها في الأرض بعيد المرام، هناك التقينا بالقائد جوهر مملوك السلطان، ثم مرحلتان صحرا، لا ماء بها يرى».
وإلى هنا تنتهي فقرة «أنس الساري والسارب»، ونذكر – بعدها – أن ولاية درعة قبل التقسيم الإداري الحديث، كانت تخضع إلى تجزئة قديمة توزع المنطقة إلى ستة أخماس، كل خمس يمثل مقاطعة، وتبتدي العملية من مقاطعة أكدز، حيث كانت تحمل إسم:
- «خمس مزكيطة» إلى راس الحجر.
- ثم «خمس تينزولين» إلى أزلاك.
- ثم «خمس ترناتة» إلى زاكورة.
- ثم «خمس فزواطة» إلى الخنك.
- ثم «خمس لكتاوة» إلى ابن سلمان.
- وأخيرا : «خمس المحاميد»(16).
(1) اسمها الكامل :(طليعة الدعة، في تاريخ وادي درعة) تأليف محمد المكي بن موسى الناصري ح، ع ، د 3786 - أول مجموع ص 6.
(2) (كتاب المغرب) ط الجزائر سنة 1857 - ص 155.
(3) ص 3
(4) ينطق بها – الآن – بالكاف الساكنة أخيرا مع كسر التاءين وسكون الميم.
(5) القطعة المنشورة من) نزهة المشتاق) بعنوان : وصف إفريقيا الشمالية والصحراوية، الجزائر ص38.
(6) مطبعة جامعة الإسكندرية – ص .206 – 207
(7) جزء من كتاب (نظم الجمان)، ط تطوان – ص .195
(8) ا) التشوف إلى رجال التصوف)، نشر معهد الأبحاث العليا المغربية بالرباط – ص .137
(9) ( العبر)، نشر دار الكتاب اللبناني – مج 6 ص 134، وقد وردت هذه المدينة في النص المطبوع باسم ) تادنست) ، وتصحيحها باسم) تيدسي) من المخطوطة الباريسية.
(10) أنظر التعليق رقم .41
(11) (الدرر المرصعة) لمحمد المكي بن موسى الناصري، خ ، ع ، ك 265، ص .167 – 169
(12) J.D. Bretkes : Contribution à l’Histoire du Maroc… page 211
(13) مطبعة محمد الخامس الثقافية والجامعية بفاس – ص 26 - 28.
(14) الغالب أنه من ذرية الشيخ إبراهيم الحاج الأنصاري مؤسس ( زاوية سيد الناس ) بتمكروت، وهي التي يشير لها النص، وانظر عن ترجمة أبي إسحاق الأنصاري: االدرر المرصعةب ص125 - 126.
(15) الظاهر أنه هو المترجم في (الدرر المرصعة) ص 223-224.
(16) ورد ذكر هذه التجزئة بخط البعض على هامش المخطوطة السالفة الذكر من طليعة الدعة – ص 2، وورد ذكر بعض هذه الأخماس – بمفرده – في (الدرر المرصعة) ص 20 و154، 217، وفي (طلعة المشتري) لأحمد بن خالد الناصري، ط، ف – ج 1 ص 160 و166 و171 مع ج 2 ص 10، وانظر (الرياحين الوردية) لمحمد المكي بن موسى الناصري، خ ، ع، ج 88، ضمن مجموع – ص .82