وإلى هنا سنواجه مسيرة الثقافة بالمنطقة خلال القرن الهجري السابع والقرنين بعده، وهي فترة لا تزال غامضة في تاريخ وادي درعة، حيث أن المصادر المتداولة لم تحتفظ إلا بثلاثة أسماء في هذا الصدد.
ويرجع أولها إلى أواسط المائة الهجرية السابعة على وجه التقريب، حيث يتحدث ابن عبد الملك المراكشي(29) عن طالب بدرعة كان يمتلك نسخة تامة من تفسير القرآن الكريم، تحمل اسم «ري الظمآن في تفسير القرآن» من تأليف أبي الحسن ابن النعمة المري ثم البلنسي، ويقول نفس المصدر في هذا: «وقد وقفت على بعض هذا الكتاب، وكان كاملا عند بعض الطلبة بدرعة في سبعة وخمسين مجلدا متوسطة بعضها».
وبعد هذا سيخيم غموض على سير الثقافة بالوادي، ويمتد إلى أواخر المائة الثامنة، غير أن المائة الموالية ستشهد اسمين لامعين.
ويمثل أولهما: عبد الله بن أحمد بن يوسف العشاب الأندلسي نزيل درعة، والمتوفى عام اثنين وخمسين وثمانمائة هـ، وقد كان يضيف إلى ثقافته الواسعة عناية بجمع الكتب، وقيد بخطه الحسن علما كثيرا، هذا إلى إجازات أحرز عليها في وجهته إلى الحج، وكتبها له أعلام من الجزائر وتونس والقاهرة، وفيهم سعيد العقباني، وابن عرفة وابن خلدون والعز ابن جماعة وابن حجر العسقلاني.
ومن مخلفاته في حقل التأليف: «تحفة الناسك، في علم المناسك»، وموضوع آخر يحمل اسم « المقنع، في مناسك المتمتع(30)»، وثالثا: تعاليق على المختصر الفقهي لابن الحاجب(31).
ومن المؤكد أن إقامة المترجم استمرت بدرعة حتى توفي ودفن بها، قال في الدرر المرصعة(32): «وقبره شهير بإزاء القصر الجديد من درعة، ويعرف – الآن – عند العامة بسيدي الحاج عبد الله».
و قد استمر عقب العشاب بدرعة حتى القرن الهجري العاشر، حيث جاء عند القاضي(33) – ضمن أحداث عام 930 هـ ذكر ولادة محمد بن محمد العشاب الأندلسي الدرعي، من الآخذين عن ابن القاسم التفنوتي، وعبارة نفس المؤلف في «درة الحجال»(34) : «محمد بن محمد بن عبد الوهاب بن الحاج عبد الله بن محمد بن يوسف العشاب، الأنصاري الأندلسي ثم الدرعي، أخذ عن أبي القاسم الشيخ التفنوتي الفقه والنحو والفرائض والحساب، ولد بعد 930 هـ».
والآن نذكر الإسم الثاني من أعلام درعة في المائة الهجرية التاسعة، وسيكون هو عبد الله بن حمد العنابي، نزيل هذه الجهة عند قرية تمزرورت بتمكروت، وكان بقيد الحياة عام اثنين وتسعين وثمانمائة(35)هـ.
ويقول عنه السوداني(36): «من أعلام العلماء، شارك في علوم كثيرة، مع براعة في الأدب وقرض الشعر». ولم يوضح هذا المصدر فروع العلوم التي كان المترجم يشارك فيها، ولكن هذا الأخير يضطلع – شخصيا – بتفصيل هذه المواد، ويذكر منها – إلى جانب المعارف الدينية واللسانية – علوم المنطق، والجدل، والموسيقى، والطب، والتشريح، والفلك، والأرصاد، والحساب، والهندسة، فضلا عن علوم الكيمياء والمعارف النفسانية، وهذا ما يعدده المترجم نفسه أثناء القصيدة المطولة التي خاطب بها عصريه إبراهيم بن هلال(37)، وقد رد عليه عالم سجلماسة بقصيدة يحليه في مطلعها هكذا:
يـــا نخبــــة العلمــــاء والفضـلاء
وبقيــــة الأعــــــلام والنبــــــلاء
صـــدر الصــدور إمـامـهم ووحيـدهم
فهما وإدراكـــا وفــرط ذكـــاء
وبـــراعـــة وفصـــــاحـــة وبــــلاغـــة
أعيـــت جميـــع اللســـن والفصحـــاء
دانوا أقروا أذعنوا لزعيمهم
فاسحب ذيول العزة القعساء
سحبانهم لكم يقر بأنكم
قطـب البيــان وفـارس البلغاء
لا والذي أولاك كل فضيلة
وحبـــاك بالتنويــه والأحظــاء
ما إن رأيت ولا سمعت بمن حوى
كل العلوم سواك بالأحصاء(38)
ومن الجدير بالملاحظة في حياة العنابي أن يكون يعيش مع أحداث عصره، ويجسم في سلوكه غيرة إسلامية، وحمية قومية، وقد عاصر سقوط الفردوس المفقود، حيث تبنى الدعوة إلى فداء الأسرى المسلمين بإسبانيا، ولهذه الغاية انتقل إلى مدينة فاس، وفاوض العاهل الوطاسي في المشروع الأندلسي، فصادف منه استجابة وتشجيعا، وساهم الحريم الملكي – بدوره – بتقديم العون من الثياب والحلي والذهب والأحجار الثمينة، وبعد هذا سافر المترجم إلى إسبانيا بمبالغ مالية جسيمة غير أن المركب الذي حمله عطب وغرق في البحر، فضاعت الأموال، ومات العالم الدرعي شهيد الحمية الإسلامية، والغيرة الإنسانية(39).
وقد اشتهر من عقب المترجم اسم حفيده أبي زيد عبد الرحمن أحد كتاب ديوان المنصور السعدي، ويحليه المقري(40) هكذا: «الفقيه الأجل، سلالة الصالحين، ونجل العلماء العاملين، أحد كتاب ديوان الخلافة، ومن له في السكون والوقار المزية والأنافة، أبو زيد عبد الرحمن بن الإمام، علم الأعلام، سيدي أبي محمد عبد الله العنابي».
(29) ) الذيل والتكملة ،(دار الثقافة، بيروت - السفر الخامس - ص 229.
(30) ) نيل الإبتهاج) المنشور بهامش الديباج، ط القاهرة عام 1351 هـ ص 156 - 157 وقد خلا هذا المصدر من تاريخ وفاة المترجم، ووردت عند ابن القاضي في ( لقط الفرائد) : مخطوطة خاصة، حيث يسمى والده بمحمد بدل أحمد الوارد - غلطا - في نيل الابتهاج.
(31) أنظر محمد المنوني الوراقة المغربية : القسم الثاني، مجلة البحث العلمي، عدد 18، السنة 8 ص .38 - 39
(32) ص 188.
(33) ) لقط الفرائد).
(34) المطبعة الجديدة بالرباط - رقم 493، ووردت الإشارة لهذا - أيضا - عند الحضيكي في (الطبقات) ضمن الآخذين عن أبي القاسم التفتوتي - ج 1 ص .152
(35) ترجمة السوداني في نيل الابتهاج ص 161 وعنه نقلها في الدرر المرصعة ص188 - 18 ، ثم أعاد هذا المصدر الأخير ترجمته ص- 299 - 295 نقلا عن دوحة الناشر لابن عسكر، غير أن هذا يسمى المترجم بمحمد، وهو سبق قلم عن عبد الله : الاسم الذي يطلقه المعني بالأمر على نفسه، ويخاطبه به معاصره ابراهيم ابن هلال، حسب المراسلتين التي سنشير لهما وشيكا.
(36) نيل الابتهاج ص .161
(37) القصيدة يسميها ناظمها: ) نظم جواهر الجلال. في استجلاب مودة إبراهيم بن هلال) وهي واردة في بعض مخطوطات) الدرر المرصعة) على بياض في بعض أبياتها.
(38) القصيدة الهلالية واردة في )درة الحجال) رقم ،271 وفي المخطوطة المشار لها من) الدرر المرصعة ( والغالب أن هناك مراسلات أخرى بين المترجم وابن هلال لم نطلع عليها، وهي التي يقول عنها ابن عسكر : (وكانت بينهما مكاتبات ومخاطبات ينبغي أن تكتب بماء الذهب، لحسن توقيع كل منهما وبلاغته)، (دوحة الناشر) ص.68
(39) دوحة الناشر ص .69
(40) روضة الاس : المطبعة الملكية بالرباط - ص .176