Date de publication
Catégorie

علماء الأمة، مسؤولون مسؤولية شرعية عن حراسة ثوابتها، وعن أمنها المعنوي، وعن سلامة تدين المجتمع، وفقا للأصول والقواعد التي مضى عليها عمل الناس، وقام عليها نظام حياتهم في مجتمعهم، وهي مسؤولية ألزمهم الشرع بها، وناطها بأعناقهم، ويسألون عما فعلوا فيها، كما يسأل كل ذي رعية عن رعيته، ولا مفر لهم من المؤاخذة إن هم أخلوا أو فرطوا أو قصروا في الأداء.
وهنا لا بد أن نستحضر ما تميز به أهل المغرب عامة، خلال تاريخهم، من شدة التمسك بحبل الدين، واعتصامهم بشريعة الإسلام، وغيرتهم على المبادئ والقيم الخالدة، والتضحية في سبيلها بالأنفس والأموال، كلما دعا داع لذلك.
وهذا ديوان تاريخ علمائهم شاهد بما كان لهم من جليل الذكر، وعظيم الأثر في مجاهدة الفساد، وتنقية العقيدة والشريعة والسلوك من شوائب التحريف والغلو والفساد وباطل التأويل.
ناهيك عن التصدي، بكل حزم وصرامة، لدعاة الفتن، والمبشرين بالطائفية المفرقة والمذهبية الخارجية، والوقوف لهم بكل سبيل، حتى تطهرت الأرض من رجسهم، وصارت خالصة لفكر أهل السنة والجماعة، أشعرية المعتقد، مالكية المذهب، جنيدية التصوف والسلوك؛ تلك المنظومة الشعائرية التي ارتبطت بها وحدة الأمة، واتخذتها شعارا لها، ترفع عند كل عدوان على حرمة المقدس.
لم تكن مهمة العلماء سهلة، كما قد يُظن، لأن الباطل له أيضا شيعته وأنصاره، وحواريوه وأحباره، يعتمد على نصرتهم، ولإطالة عمره، ولو إلى حين. لكن دعوة الحق الناصعة، والحجج العلمية الدامغة، والتفاف الكافة حول اختيارات الأمة كانت وراء اندحار الشغب على الوحدة وهزيمته، وتفرق فلوله أيدي سبأ، ولم يظفروا ولو بمقدار موطئ قدم فوق أديم أرض المغرب الذي اختار أهله الانضواء تحت لواء مذهب أهل الحق.
كانت وسيلة العلماء في دفع شر المذاهب الحاملة للفتنة، الساعية في الأرض بالفساد، تعتمد على نشر العلم الشرعي بين جميع طبقـات المجتمع وفئاتـه، ذكورا وإناثا، شبابا وشيبا، والتأكيد في وصاياهم، ومواعظهم، ودروسهم، وخطبهم، على أن الدين لا يؤخذ إلا عن من يوثق به دينا وعلما وصلاحا وتقوى. وقد أثمر عملهم في نشر العلم الديني بين الكافة، وتربية الناس على القيم الصحيحة، حالة من التعبئة الشبعية الواسعـة، كان لها أثرها الإيجابي في تثبيت قدم الوحدة، وتعميق الالتزام بالمذهب الواحد، دون أي تنقيص أو تعريض بالمذاهب السنية الأخرى.
ولا يخفى ما في هذا المنهج الحكيم من فائدة على الأمن المعنوي والطمأنينة الروحية، وذلك ما تم تحقيقه بالفعل في هذا المغرب، على امتداد تاريخه الإسلامي ولا يزال، وسيبقى ما بقي الإيمان راسخا في أعماق أهله.
ونظرا لما حدث في دنيا الناس اليوم من تحولات مذهلة على كل صعيد، وفي كل أنماط الحياة، وأشكال العلاقات بين بني البشر، بما حققته العلوم التكنولوجية من تقدم، ولا سيما على مستوى الإعلام والتواصل الذي باتت معه كل الحواجز والحدود التي تفصل بين الدول والأقطار منعدمة الجدوى أو تكاد، حيث تستطيع المعلومة والفكر أن يخترق الفضاء، ويصل إلى أي مكان شاء، دون أن يعترض سبيله شيء، ولا أن يخضع لأي إجراء من إجراءات الدخول والخروج، فلا تسري عليه الأحكام، ولا تناله الأنظمة والقوانين، ولا أن يتعرض لأي رقابة أو مساءلة، وبذلك أصبح المجال مفتوحا، والحمى مستباحا، ووضع كهذا، يبقى فيه كل شيء واردا.
وهنا لا بد من التفكير في ابتكار أسلوب ما، لحماية الوجود الفكري والموروث الثقافي والوجدان الشعبي، مما قد يتعرض له من تخريب. أي لا بد من إيجاد آليات لحماية الذات من الداخل سيما بعد أن أخذت بعض معالم الفكر التخريبي الهادم تلوح في الأفق، وترسل إشارات تثير القلق، تحتاج من المعنيين بالأمن بمعناه الشامل أن يقرأوها قراءة فاحصة، كل واحد من موقعه وزاويته التي ينظر منها، ومن ثغره الذي يرابط فيه.
ولما كانت دعاوى المغرر بهم ممن وقعوا تحت تأثير الغلاة المتطرفين المتعطشين لإزهاق الأرواح البريئة، وسفك الدماء المعصومة، تحت ذريعة جهاد الكفار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإماتة البدع، وإحياء السنن، وما إلى ذلك من الدعاوى الباطلة، ويحتجون لذلك بنصوص شرعية مفصولة عن سياقاتها، ويؤولونها على غير وجهها، مما يعيد إلى الأذهان شنيع ما اقترفته نحلة الخوارج الضالة، التي أجمع المسلمون على إدانتهم، واعتبروهم مارقين من الدين، خارجين عما أجمع عليه الصحابة والتابعون وأئمة الهدى عبر العصور، فإن العلماء قرروا التصدي لتصحيح المفاهيم، وإظهار فساد الدعاوى التي يستند إليها الغلاة في تبرير وحشيتهم بإزهاق الأرواح وسفك الدماء، ودحض حججهم، وتفنيدها بالحجج الدامغة والأدلة الساطعة.
وهذا السفر الذي يقدمه المجلس العلمي الأعلى للقراء الكرام، يشتمل على العروض العلمية التي تفضل بإلقائها صفـوة من الباحثين المرموقين، في النـدوة العلمية التي نظمها المجلس العلمي الأعلى بالدار البيضاء، تحت الرعاية السامية لأمير المومنيـن محمد السادس نصره الله، بعنوان: "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" بتاريخ 02 جمادى الأولى 1428هـ موافق 19 ماي 2007م.
والله ولي التوفيق
محمد يسف
الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى
مقدمة كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007