Date de publication
Catégorie

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين.
معالي الوزير،
سعادة والي جهة الدار البيضاء، السادة العمال،
أصحاب الفضيلة العلماء والعالمات، أيها الحضور الكريم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
يسعدني، في البداية، أن أرحب بكم باسم المجلس العلمي الأعلى، وأن أعرب لكم عن بالغ الشكر وعظيم التقدير، على تلبية دعوة العلماء للحضور في أشغال هذه الندوة التي تَشْرُفُ بالرعاية السامية لمولانا أمير المومنين دام له النصر والتمكين. ولا يخفى عليكم أيها السادة الأكارم الأهمية الكبيرة التي تكتسيها هذه الندوة، التي تعالج موضوعا خطيرا من موضوعات الساعة من الزاوية الشرعية، وما ينتظر أن تسفر عنه أعمالها من بيان حكم شرع الله في الإرهاب والتكفير، مدعما بالأدلة والبراهين التي لا تقبل الطعن.
إن الندوة التي نلتقي اليوم حول موضوعها، جاءت نتيجة للتوصية التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى في دورته الخامسة المنعقدة بمدينة العيون يومي -13 14 أبريل 2007، حيث تقرر تنظيمها بمدينة الدار البيضاء، لاعتبارات تاريخية ترتبط بالدور البطولي الذي قامت به هذه المدينة الجليلة، في سبيل تحرير الوطن كأخواتها من باقي مدن المملكة وقراها، وفي سبيل عودة الملك الشرعي إلى عرشه، ثم لما تعرضت له أخيرا من أحداث إرهابية وتفجيرية، لم ترع لهذه المدينة تلك الحرمة ولا ذلك الجهاد، ولا قدرت دور رجالاتها البطولي، حيث جعلتها هدفا لسهامها الطائشة وتفجيراتها المتوحشة، وهو بدون شك عمل جاهل أعمى البصر والبصيرة، وعلى قدر كبير أيضا من العقوق والجحود.
اختيار العلماء هذه المدينة لعقد ندوة حول حكم الشرع في دعاوى الإرهاب، فيه تحية لجهادها ولبطولة وتضحية رجالاتها من جهة، وإعراب لأهاليها عن وقوف العلماء صفا واحدا أينما كان موقعهم في هذه المملكة، أو في خارج المملكة، إلى جانب هذه المدينة المجاهدة.
أيها السادة الأكارم، أمام هذا الجمع الغفير من العلماء، والخطباء، والأئمة، والأساتذة، والمفكرين، والمسؤولين على اختلاف مراتبهم وتفاوت مسؤولياتهم، سيناقش المتخصصون من أهل العلم الشرعي فكر الإرهاب ومقولات الإرهابيين، في ضوء النصوص الشرعية، وتسليط الأضواء على مكامن الخطأ في فهمهم المنحرف، لتلك النصوص التي يتخذونها ذريعة لاستباحة دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، إظهارا لفاسد اعتقادهم، وتسفيها لعقولهم، ودحضا لزائف حججهم، بالأدلة الشرعية القاطعة، والبراهين النقلية الساطعة، إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وليعود إلى جادة الصواب من ليس في قلبه مرض، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
حضرات السادة والسيدات:
لا شك أن الفكر المنحرف الضال هو من أخطر الأمراض العقلية والقلبية التي يجب معالجتها معالجة صحيحة، والفكر المريض الذي يتهدد سلامة الأمة اليوم هو فكر الإرهاب والعنف والتطرف، وانحرافه جاء نتيجة فهم خاطئ للدين، وتأويل سيئ للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال العلماء، مع فهم سخيف وبعيد كل البعد عن مقاصد الشريعة ومكارمها ومآلاتها، وهو أيضا غائب عن فقه الواقع ومتغيرات العصر.
وفي هذه الحالة، فإن أقدر الناس على معالجة هذه الأمراض من الزاوية الشرعية هم العلماء المتمكنون من العلوم الشرعية، العارفون بفقه الواقع ومستجدات العصر ومقتضيات التطور، العلماء المشهود لهم بالعلم، والاستقامة، والنزاهة الفكرية، وسلامة المعتقد، ونقاء السريرة والضمير، وذلك لمكانة العلماء الجليلة في مجتمعهم، وللأمانة التي يحملونها، وهم مسؤولون عنها أمام الله تعالى بوصفهم حملة ميراث النبوة، والموقعين عن الله، والمبلغين عن النبي الكريم وخلفائه الراشدين، إنهم عدول الأمة كما قال في حقهم رسول الله (ص):"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبدلين وتأويل الجاهلين"، ومن بينهم أئمة المساجد، وخطباء الجوامع، والوعاظ، والمرشدون، والعالمات، والواعظات، والمرشدات، وطالبات وطلاب الكليات والمعاهد الشرعية العليا، لما لهؤلاء جميعا من احترام وتقدير في قلوب الناس، إذ اتخذوهم قدوة لهم في أمور دينهم، ولأنهم بحكم مهمتهم الشريفة قد توفرت لهم أشرف المنابر وأعظمها قدسية وجلالاً للاتصال بجمهور المومنين والمومنات، ولاسيما الخطباء الذين يجتمع الجمهور للاستماع إليهم يوما في الأسبوع على نحو لا يتاح مثله لأي منبر آخر، فيلقي الخطيب خطبته والناس يسمعون وكأن على رؤوسهم الطير، فلا يعارضه أحد أثناء خطبته، وهنا تظهر الأهمية البالغة لخطباء المنابر، والتأثير الكبير الذي يمكن أن يحدثوه في تنوير الفكر، وتوضيح الرؤية، وتصحيح المفاهيم، ومحاربة فكر الإرهاب والعنف والتشدد والتطرف، ببيان ما فيه من ضلال وانحراف، وما يترتب عليه من المفاسد الكبيرة على الأفراد والجماعات، وعلى الأمة على المستوى الأمني والاجتماعي والاقتصادي والعلمي والأخلاقي، وبإبراز النموذج الإسلامي الصحيح الذي يوجب المحافظة على الأمن العام، وعلى سلامة الأنفس والأعراض والأموال والعقول، ولزوم جماعة المسلمين وطاعة ولي الأمر: أمير المومنين، وتحريم إلحاق الضرر بالآخرين.
حضرات السادة:
إنه لمن المؤسف حقا أن يقرن اسم الإرهاب بالإسلام والمسلمين، بل إن بعض وسائل الإعلام لم تتردد في القول إن الإرهاب نابع من تعاليم الإسلام وأحكامه، وفي ذلك من الباطل والتجنّي على الحقيقة ومن التسرع في إصدار الأحكام القطعية، قبل القيام بما يجب من التتبث والتحري، وهو ما يؤكد سوء النية وفساد الطوية، وليس من الانصاف ما ادعوه عن الإسلام، بل العكس هو الصحيح.
إن الإسلام هو العدو الأكبر للإرهاب وما يلحق به، فإذا كان الإسلام يحرم الحرابة والبغي، ويعاقب المحاربين والبغاة، بأقصى العقوبات وأشدها، فكيف يقر الإرهاب وهو أشد خطرا من الحرابة. إن الإرهاب هو تفكيك للبنية الأمنية من أساسها، وتقويض للمجتمع وللدولة ولمؤسساتها، فهو داخل بالأحرى في مضمون قوله الله سبحانه وتعالى:(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
إن السلوك الإرهابي المقيت المتمثل في التفجيرات التي نفذها شباب غر غافل عن تعاليم دينه، جاهل بتاريخ وطنه، وشباب ساذج وقع تحت تأثير جهات حاقدة على أمن هذا الوطن واستقراره، زين لهم شياطين الإنس سوء عملهم فرأوه حسنا، وقدموا أرواحهم فداءً للشيطان وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وذلك طبعا هو مكر إبليس في كل وقت وحين، يستدرج الإنسان للمعصية، حتى إذا ما ورطه فيها تخلى عنه وتبرأ منه ومن أفعاله، على نحو ما حكاه رب العزة في كتابه الكريم إذ قال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاَّ أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتموني من قبل)، وفي قوله سبحانه وتعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين).
فالسلوك الإرهابي المقيت ليس من شأن الإنسان المغربي المفطوم على حب الخير، ولا هو من شيم المغاربة الأحرار، بل هو مادة مستوردة كريهة الطعم واللون والرائحة، لقد عرف المغرب على امتداد تاريخه الطويل بأنه موطن التقى والمتقين، ومأوى الصلاح والصالحين، تهفو إليه أفئدة أهل الله، فتجد في أحضانه الأمن والأمان، والدفء والحنان، واللذة الفكرية والعلمية، والمتعة القلبية والروحية. تربة المغرب لا تنبت الشر والعنف والإرهاب، وإنما تنبت العلم والعلماء، والولاية والأولياء.
والذين يتخذون الإرهاب هوية، والعنف والتفجير منهجا، والتطرف والغلو مكسبا، لا يمكن أن يكونوا من أهل هذا المغرب، ولا هو منهم، لأن هذه العناصر لا يدخل شيء منها في تركيبة الهوية المغربية، وبالرغم من كل هذا، فإن شبابنا هم طاقة أمتنا، وامتدادها المستقبلي، واجب على الأمة أن تحتضنهم وتنظر في مطالبهم الموضوعية، وواجب أيضا على العلماء أن يناقشوهم فيما يشغل بالهم من أمور دينهم بهدوء، ويقدموا لهم من النصح ما يدفع عنهم شبه الجهل والتضليل، اقتداء بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معالجة قضايا الشباب، فقد جاءه أحدهم يوما فقال: يا رسول الله، ايذن لي في الزنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب: "أتحب الزنا لأمك؟ فقال الشاب: لا، فقال له: أتحبه لابنتك أو لأختك أو لخالتك أو عمتك؟ قال: لا، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: فكذلك الناس، فقال هذا الشاب للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ادع الله لي، فقال عليه الصلاة والسلام: "اللهم طهر قلبه، وأحصن فرجه، واغفر ذنبه".
فما فكر هذا الشاب بعد ذلك في هذا العمل السيئ.
إن المرء ليأخذه العجب وهو يبحث عن الشبهة التي استند إليها الإرهابيون للتحرش بأمن المغرب واستقراره، فلا يجد إلا أنه ذلك البلد المسلم المحافظ على ثوابت دينه، شريعة وعقيدة وأخلاقا، وعلى نظام حكم أصيل بطابعه الحضاري العريق، وعلى رأسه أمير المومنين، وهو اللقب الذي لا تكاد تعثر عليه إلا في المغرب الإسلامي هذا.
إنه لا ذنب للمغرب يستحق أن يشوش عليه بسببه، إلا أن تكون المحافظة على عريق الحضارة، وأصيل المجد الإسلامي ذنبا يستحق العقاب في عرف الإرهاب.
إن وطناً تعلو أصوات المؤذنين من فوق صوامع جوامعه في حواضره وبواديه، فتملأ الفضاء رهبة وجلالاً، ويتنافس أهله في بناء المساجد وعمارتها والإنفاق بسخاء عليها. إن وطناً يعكف شبابه وفتياته ورجاله ونساؤه على حفظ كتاب الله تعالى وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار؛ هذا هو وطننا.
أَوَطَنٌ كهذا يستحق أن يروع أمنه وينتهك وقاره؟ إن الفكر الإرهابي هذا لعجيب أمره...
وبعد، أيها السادة والسيدات،
فإن العروض الاثني عشر، التي تشكل موضوع الندوة ومادتها العلمية، هي خلاصة المفاتيح التي تكون المنطلقات الأساسية التي ينطلق منها الفكر التكفيري الإرهابي، لممارسة عدوانه واقتراف جرائمه، سيتولى السادة العلماء بسطها وإبراز مكامن الخطأ والفساد فيها، وتفنيدها بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة المقنعة، استمدادا لها من كتاب الله تعالى ومن صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إقامة للحجة، وتوضيحا للمحجة، فيا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر.
نسأل الله العلي القدير أن يهدينا سبلنا، ويحفظ أمن وطننا واستقراره، بحفظ أمير المومنين مولانا محمد السادس الساهر الأمين على مصالح الأمة الدينية والدنيوية، والضامن لوحدتها، وازدهارها واستقرارها، إن ربي لسميع الدعاء.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كلمة الافتتاح في الندوة العلمية لـ"حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007