وبعد، فقد جاءت فكرة نشر كتاب «حضارة وادي درعة» للفقيه المرحوم محمد المنوني، باسم المجلس العلمي الأعلى، بمناسبة انعقاد دورته الثامنة عشرة بمدينة ورزازات، أشار بها على المجلس معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق، وأعان على ذلك.
«حضارة وادي درعة» أنسب هدية تقدمها الدورة بين يديها تحية مباركة لورزازات ولدرعة وواديها، ولتمكروت وزاويتها.
كل من عرف الفقيه المنوني لابد أن يعرف أنه كان رجل القيم والأخلاق، ويعرف أيضا عفة قلمه الذي لايخط كلمة على ورق إلا بحقها، ومن حق الكلمة على من يكتبها، أن يتحرى فيها الصدق، والأمانة، والتجرد، والتوثيق،
وقد اجتمعت في قلم الفقيه كلها، فيما كتب وألف وقيد.
وكتاب حضارة وادي درعة نموذج منه أنجزه على هامش المهمة التي كلف بها من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة، تخص فهرسة كتب دار الكتب الناصرية، فجعل هذه الدراسة القيمة مدخلا لها وتمهيدا.
وإنها لكما قيل في كل ما هو صغير في حجمه عظيم في قيمته: «كنيف ملئ علما» فقد تضمن من الإفادات في شتى الموضوعات ما لا يتفق مثله إلا لمن كان في صبر الفقيه المنوني وتمرسه ومهارته للغوص في أعماق المجهول.
فبعد أن جال جولة موفقة في أكناف درعة مجليا بعض معالمها، وخصوصياتها، انتهى به المطاف إلى تمكروت حيث تبدأ قصة معلمة علمية دينية سارت بذكرها الركبان، بدأ حديثه عنها بقوله: «زارها في صدر المائة الحادية عشرة: أحمد بابا التنبكتي العالم السوداني المعروف، وسجل إلمامه بهذه الجهة عند أخريات فتوى كتبها في عين المكان، وجاء في خاتمتها: وفرغ منه أذان ظهر الخميس 29 جمادى الثانية عام 1016 بتمكروت من بلاد درعة» وقال عن الغاية من تأسيس الزاوية الناصرية أنها أنشأت خصيصا لإحياء السنة، ونشر العلم وبذل الطعام.
ولقد أدت هذه الزاوية خدمة كبرى في الحفاظ على الثقافة الإسلامية، وبالخصوص في الجنوب المغربي، خلال القرن الحادي عشر وهو ما تشير إليه
المقولة المشهورة : «لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر لكثرة الفتن التي ظهرت فيه، وهم:
- سيدي محمد بن ناصر في درعة؛
- وسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي في الدلاء؛
- وسيدي عبد القادر الفاسي في فاس.
ويسعد المجلس العلمي الأعلى أن تكون هذه الوثيقة الخاصة عن حضارة وادي درعة ضمن وثائق دورة ورزازات، كأنصع وأجل الوثائق التي يتناولها النشاط الثقافي الذي اعتادت المؤسسة العلمية أن تختم به دوراتها، إبرازا لما للمحيط الذي استضاف الدورة من تميز وخصوصية تبرز فيها شخصيته المحلية وهويته الخاصة التي تنضوي تحت الهوية الوطنية العامة الغنية بالموارد والروافد المحلية والجهوية التي تصب فيها كما تصب الوديان والجداول في البحار والمحيطات.
الأستاذ محمد يسف
الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى