سؤال الهوية
يرتبط الخوف على الدين بالهوية عند من يرون أن الدين هو المقوم الأعظم في هويتهم، ويشعر هؤلاء بأن ما أتى به العصر الحديث من المستجدات الهائلة، كما وكيفا، يهدد هذه الهوية، وهؤلاء الخائفون على الدين من مظاهر العصر الحديث فئتان:
يرتبط الخوف على الدين بالهوية عند من يرون أن الدين هو المقوم الأعظم في هويتهم، ويشعر هؤلاء بأن ما أتى به العصر الحديث من المستجدات الهائلة، كما وكيفا، يهدد هذه الهوية، وهؤلاء الخائفون على الدين من مظاهر العصر الحديث فئتان:
ليس من المستغرب أن يتخلق الفقهاء من أتباع مالك بخلق إمامهم الذي لم يكن يقبل إلا على ما هو نافع من العلم، مع شدة الشفقة على عامة الناس من الفتنة بالجدال.
قبل الكلام عن تفاعل غالبية المغاربة مع التصوف كاختيار، لابد أن نتساءل كيف يمكن النظر إلى هذا الاختيار من جهة الحكم الشرعي، هل يدخل في الوجوب أم في الندب أم في الجواز أو في الحرمة أم في الكراهة؟ والجواب هو أن حكمه عند أهله، كما بينا، هو حكم الإحسان من الإيمان والإسلام، أي حكم تشوف إلى كمال، والناس على درجات في هذا الطموح الذي لا إلزام فيه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلذِينَ اَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اِللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
لقد دخل الأمران معا، إمارة المؤمنين والمذهب المالكي، في وقت واحد إلى المغرب، على أيدي الأدارسة. فقد توفي الإمام مالك بعد عشر سنوات من تاريخ وقعة فخ، أي بعد سبع سنوات من بيعة المولى إدريس في المغرب، ولما وفد أعلام من العرب على المولى إدريس الثاني عام 189 هـ، أي بعد عام من بيعته، كان من بينهم عامر القيسي، وقد وصف بأنه كاهن أهل الورع والدين، سمع من الإمام مالك وروى عنه كثيرا، وقد ولاه المولى إدريس القضاء.
أولا: إمارة المؤمنين: عندما بدأ انفتاح المغرب للإسلام في العقد السابع من القرن الهجري الأول، كانت الأزمة قد استحكمت بظهور الفرق واستمرار المعارضة للأمويين ثم للعباسيين، ولاسيما من أنصار آل البيت.
إذا كان سؤال الإمارة هو: من يحكم وكيف يحكم، وكان سؤال الفقه هو كيف ينبغي أداء العبادات والقيام بالمعاملات، فإن سؤال التصوف، هو كيف يمكن إحسان العبادة بتحقيق الانسجام بين الظاهر والباطن. ولطالما استشهد الصوفية بالحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه، والذي شرح فيه جبريل معنى الإسلام والإيمان، وأن الإحسان يطابق حالة من الحضور مع الله، بأن تعبده كأنك تراه.
كان من بين مظاهر السلوك الرصين الذي واجه به أهل السنة تحديات ذلك التاريخ العصيب، عكوف أعلام من الخواص على بناء العلوم الإسلامية، قصد الاستجابة لحاجات الناس المباشرة في باب ضبط العمل بالدين، أي بناء الفقه.
مولاي أمير المؤمنين
لقد رأينا بعد إطلالات وجيزة على وجهي التأصيل والتفاعل لكل ثابت من الثوابت الأربعة، أن لها صفة مشتركة، هي صفة "الجمع"، فإمارة المؤمنين قد جمعت بين النسب الشريف وبين المذهب السني، والمذهب المالكي قد جمع بين الاستناد إلى النص وبين إعمال الرأي عند الضرورة، والعقيدة الأشعرية قد قامت على الاعتدال بين التشبيه والتنزيه،بين الأثر والتأويل، والتصوف الجنيدي قد جمع بين الشريعة والحقيقة. فالتوفق إلى هذه الاختيارات فضل عظيم من الله تعالى على المغاربة، ونعمة كبرى توجب الشكر، والأمر من باب الأسباب، ثمرة حصافة الأسلاف واجتهادهم ونضالهم.
مولاي أمير المؤمنين،
بعد أن رأينا تأصيل الثوابت، نأتي إلى المحور الثاني لنرى كيف كان تفعيلها والتفاعل معها في تاريخ المغاربة.